شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٧٢
ما ستر من الربوبية المستورة، و يدعون بأنانيتهم أنهم الرب، يعنى يدعون أن الأنانية الظاهرة هو الرب المستور فيهم زورا و كذبا، ثم إنهم على الحقيقة لا يرون الذي يدعون ظهوره بعد ظهورهم في صورهم على الحقيقة (فيحار الناظر و لا يعرف قصد الفاجر في فجوره و لا الكافر في كفره و الشخص واحد) أي يحار الناظر الطالب للحق في الإظهار و الستر، و لا يعرف أن الفاجر في إظهار الربوبية بدعواه إياها ساتر لها في سترها هو ذلك المظهر كذبا و زورا و الحال أن الشخص المظهر الساتر واحد و هو عين الضلال و التحير رَبِّ اغْفِرْ لِي- أي استرني و استر من أجلى، فيجهل مقامى و قدرى كما جهل قدر الله في قولك- وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ- أي استر بنور ذاتك أنانيتى، و استر بنور صفاتك رسومى و آثارى، و قوى نفسى و طيعتى لأجلي، أي خلصني من التلوين بظهورها لأكون محوا بكليتى فيك، فأينا مجهول القدر كما وصفت ذاتك (و والدى من كنت نتيجة عنهما و هي العقل و الطبيعة) أراد بالعقل و الطبيعة الروح و النفس، أو ردهما على اصطلاح الحكماء، و أراد بالنتيجة القلب الحاصل منهما، فإن الحقيقة الإنسانية المعبر عنها بأنا و سرها من حملة السر لأجله، حتى لا يبقى منه أصل و اسم و رسم فلا ينعت فلا يعرف (- وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ- أي قلبى- مُؤْمِناً- مصدقا بما يكون فيه من الإخبارات الإلهية و هو ما حدثت به أنفسهم) و لما استجيب دعاؤه بالفناء باللّه أقام أنية الله مقام أنانيته، و كان بيته قلبه لقوله عليه الصلاة و السلام «قلب المؤمن بيت الله» و قوله حاكيا عن ربه «لا يسعني أرضى و لا سمائى و يسعني قلب عبدى المؤمن» و من حق التجلي الإلهي أن يفنى ما تجلى له فلم يبق إلا هو، فكان أحاديث قلبه إخبارات إلهية و كان من دخله مصدقا بها عارفا و اصلا مثله، فيلزم أن تكون أحاديث أنفسهم من تلك الإخبارات الإلهية، لأن القلب و من دخله في مقام الفناء في عين أحدية الجمع، فكل ما هجس ببال منهم كان إخبارا إلهيا، و ضمير الجمع و صيغته في أنفسهم لمن دخل محمول على المعنى، و في بعض النسخ: أنفسها على تأويل النفوس و الأعيان (و للمؤمنين من العقول و المؤمنات من النفوس) ظاهر- وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ- من الظلمات
__________________________________________________
الوجود و آثارها من الربوبية و يظهرون السامعين أسرار الربوبية فيهم، و تارة تكلموا عن الكثرة و العبودية (فيحار الناظر) السامع كلامهم اه بالى.
(و الشخص واحد) أي و الحال أن المظهر و الساتر واحد كيف يناقض نفسه، فلما دعاهم إلى الله ليغفر لهم أي ليسترهم دعا لنفسه و لأتباعه بالستر و هو عين ما دعاهم إليه، فنوح عليه السلام ما أراد لغيره إلا ما يريد لنفسه، فكان دعاؤه عليهم للَّه لا لمرادات نفسه من الانتقام و غيره، و لو كان كذلك لما دعا لنفسه بذلك (- رَبِّ اغْفِرْ لِي- أي استرني و استر من أجلى) أي استر ذاتى من أجلى بأنوار ذاتك، حتى نهلك فيك أبدا كما يهلك القوم فيك أبدا بدعائى عليهم فدعا عليهم لئلا يضلوا عباده و دعا لنفسه كى يجهل قدره و يتحد مع الله في ذلك الوصف اه بالى.