شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٥٥
الرب المستقيم، لأن نواصيهم بيد من هو على الصراط المستقيم، فهو يسلك بهم عليه جبرا إلى أن وصلوا إلى عين القرب (و إنما هو يبصر فإنه مكشوف الغطاء فبصره حديد) أي إنما الجهنمى يبصر مع أن الله تعالى أخبر أن أهل الحجاب لا يبصرون في الدنيا لأنه هناك مكشوف الغطاء حديد البصر، و أما قوله- وَ من كانَ في هذِهِ أَعْمى فَهُوَ في الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا- فهو في حق من يدعوه الهادي إلى مسمى الله الرب المطلق رب العالمين، و هذا في حق كل أحد بالنسبة إلى الرب المتجلى له في صورة عينه الآخذ بناصيته إلى ما يهواه، فذاك في البصيرة و هذا في البصر- فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ- (و ما خص ميتا من ميت: أي ما خص سعيدا في العرف من شقي- وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ- و ما خص إنسانا من إنسان فالقرب الإلهي من العبد لا خفاء به في الإخبار الإلهي، فلا قرب أقرب من أن تكون هويته عين أعضاء العبد و قواه، و ليس العبد سوى هذه الأعضاء و القوى، فهو حق مشهود في خلق متوهم) أي الظل الخيالى المذكور (فالخلق معقول و الحق محسوس مشهود عند المؤمنين و أهل الكشف و الوجود) أي الشهود الذوقي (و ما عدا هذين الصنفين فالحق عندهم معقول و الخلق مشهود، فهم بمنزلة الماء الملح الأجاج) هذين الصنفين ما عدا المؤمنين و أهل الكشف و الشهود، فالحق عندهم ما نصوروه و اعتقدوا أنه غير معلوم للبشر إلا وجوده لا حقيقته، و بعضهم تخيلوه و كلاهما يعتقدان أنه متعين و لا يشهدون إلا الخلق فهم أهل الحجاب بمنزلة الماء الأجاج، و أما المؤمنون و أهل الكشف فبالعكس، لأنهم يشهدون الحق و الخلق عندهم ظل خيالى ليس إلا نسبة الوجود إلى الأعيان، و النسبة معقولة، و لهذا قال (و الطائفة الأولى بمنزلة الماء العذب الفرات السائغ شرابه فالناس على قسمين: من الناس من يمشى على طريقة يعرفها و يعرف غايتها، فهي في حقه صراط مستقيم. و من الناس من يمشى على طريقة يجهلها و لا يعرف غايتها، و هي عين الطريق التي عرفها الصنف الآخر. فالعارف يدعو إلى الله على بصيرة، و غير العارف يدعو إلى الله على التقييد و الجهالة) يعنى أن الطريق و الغاية كلاهما واحدة في الحقيقة و هو الحق، فالعارف يدعو على بصيرة من اسم إلى اسم، و الجاهل يدعو على جهالة من السوي إلى السوي، لأنه لا يعرف الحق (فهذا علم خاص يأتى من أسفل سافلين، لأن الأرجل هي السفل من الشخص، و أسفل منها ما تحتها و ليس إلا الطريق، فمن عرف الحق عين الطريق عرف الأمر على ما هو
__________________________________________________
فدل ذلك على أن نعيم القرب عام في حق كل أحد سعيدا كان أو شقيا، و كذلك يدل على عموم نعيم القرب قوله تعالى- وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ- أي إلى الإنسان- من حَبْلِ الْوَرِيدِ- اه (بمنزلة الماء الملح الأجاج) كلما ازدادوا علما ازدادوا شبهة بحيث لا يروى و لا يقنع علمهم كالملح الأجاج لا يروى شاربه، و قد أشار إلى افتراق المؤمنين من أهل الكشف أولا و إلى اتحادهما ثانيا بقوله (و الطائفة الأولى) بمنزلة الماء العذاب اه بالى.