شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٣٥
بالمراتب فأعطى كل شيء خلقه كما أعطى كل ذى حق حقه كل عارف، فلهذا كان حب النساء لمحمد صلى الله عليه و سلم عن تحبيب إلهى، و أن الله أعطى كل شيء خلقه، و هو عين حقه، فما أعطاه إلا باستحقاق استحقه بمسماه: أي بذات ذلك المستحق) يعنى أن الحق لما تعين في كل متعين من كل روح عارف و غير عارف بل في كل شيء أعطى كل ذى حق و مرتبة ما يستحقه بحقيقته و عينه، فأعطى المنفعل خلقه في انفعاله، و تأخره في الدرجة و هو حقه، و أعطى الفاعل خلقه كذلك في فاعليته و تقدمه و ذلك حقه، و أعطى العارف بذلك شهود الحق في الكل و الالتذاذ به و هو خلقه و حقه، و أعطى غير العارف خلقه و هو صورة الالتذاذ بلا روح عنده و ذلك حقه، و قس على ذلك كل شيء (و إنما قدم النساء لأنهن محل الانفعال كما قدمت الطبيعة على من وجد منها بالصورة، و ليست الطبيعة على الحقيقة إلا النفس الرحمانى، فإنه فيه انفتحت صور العالم أعلاه و أسفله لسريان النفخة في الجوهر الهيولاني في عالم الأجرام خاصة، و أما سريانها الوجود الأرواح النورية و الأعراض فذلك سريان آخر، ثم إنه عليه الصلاة و السلام غلب في هذا الخير التأنيث على التذكير لأنه قصد التهمم بالنساء، فقال: ثلاث، و لم يقل ثلاثة بالهاء التي هو لعدد الذكران، إذ و فيها ذكر الطيب) أي فيها ذكر النساء، و فيها ذكر الطيب (و هو مذكر و عادة العرب أن تغلب التذكير على التأنيث، فتقول: الفواطم و زيد خرجوا و لا تقول خرجن، فغلبوا التذكير و إن كان واحدا على التأنيث و إن كن جماعة و هو عربى، فراعى صلى الله عليه و سلم المعنى الذي قصد به في التحبب إليه ما لم يكن يؤثر حبه) أي ما لم يكن يختار حبه، أي ليس يحبهن إياهن بنفسه، بل بتحبيب الله إياهن إليه (فعلمه الله ما لم يكن يعلم، و كان فضل الله عليه عظيما، فغلب التأنيث على التذكير بقوله ثلاث بغير هاء، فما أعلمه صلى الله عليه و سلم بالحقائق، و ما أشد رعايته للحقوق. ثم إنه جعل الخاتمة نظيرة الأولى في التأنيث و أدرج بينهما المذكر فبدأ بالنساء و ختم بالصلاة و كلتاهما تأنيث، و الطيب بينهما كهو في وجوده، فإن الرجل مدرج بين ذات ظهر عنها و بين امرأة ظهرت عنه فهو بين مؤنثين تأنيث ذات و تأنيث حقيقى، كذلك النساء تأنيث حقيقى و الصلاة تأنيث غير حقيقى، و الطيب مذكر بينهما، كآدم بين الذات الموجود هو عنها و بين حواء الموجودة عنه، و إن شئت قلت الصفة فمؤنثة أيضا، و إن شئت قلت القدرة فمؤنثة أيضا، فكن على أي مذهب شئت، فإنك لا تجد إلا التأنيث يتقدم حتى عند أهل العلة الذين جعلوا الحق علة في وجود العالم، و العلة مؤنثة) يعنى أنه صلى الله عليه و سلم ما غلب التأنيث على
__________________________________________________
مما أعطاه له فكل عارف أعطى كل ذى حق حقه، و هذا معنى قوله: فما أعطاه: أي فما أعطى الحق الحب لمحمد إلا باستحقاق استحقه: أي حبهن بالى. و ذلك سريان آخر فإن الطبيعة تسرى في وجود الأرواح بالذات و النفس الرحمانى يسرى بسريان الطبيعية الجوهرية بالى.