شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٢٨
إن كان متمكنا من ذلك فلا بد من الإجابة و لو بالقصد، ثم قال- وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ- و لم يقل على نفسى معهم، كما قال- رَبِّي وَ رَبَّكُمْ- شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ- لأن الأنبياء شهداء على أممهم ما داموا فيهم- فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي- أي رفعتني إليك و حجبتهم عنى و حجبتني عنهم- كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ- في غير مادتي بل في موادهم إذ كنت بصرهم الذي يقتضي المراقبة فشهود الإنسان نفسه شهود الحق إياه، و جعله باسم الرقيب لأنه جعل الشهود له) أي لنفسه فعظم الله و نزهه عن أن يشاركه في الاسم أدبا بعين شهودهم أنفسهم بالحق (فأراد أن يفصل بينه و بين ربه حتى يعلم أنه هو لكونه عبدا، و أن الحق هو الحق لكونه ربا له، فجاء لنفسه بأنه شهيد و في الحق بأنه رقيب، و قدمهم في حق نفسه فقال- عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ- إيثارا لهم في التقدم و أدبا) لأن الحق في أنفسهم شهيدا عليهم أيضا و مع الحق فإن التقدم يفيد الاختصاص: أي كنت عليهم خاصة شهيدا دون غيرهم، لأنه ليس في وسعي الشهادة على جميع الأمم، فما كنت شهيدا إلا على ما أشهدتنى عليه، و أما أنت فكنت أنت الرقيب عليهم، و علىّ و على كل شيء (و أخرهم في جانب الحق عن الحق في قوله- أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ- لما يستحقه الرب من التقدم بالرتبة) و من الرقبة على كل أحد كما ذكر.
(ثم اعلم أن للحق الرقيب الذي جعله عيسى لنفسه و هو الشهيد في قوله- عَلَيْهِمْ شَهِيداً- فقال- وَ أَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ- فجاء بكل العموم و بشيء لكونه أنكر النكرات، و جاء بالاسم الشهيد فهو الشهيد على كل مشهود بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك المشهود) ففرق بين الشهادة و أيضا بينه و بين ربه بأن خصص شهادته بأنها عليهم خاصة دون غيرهم، و عمم شهادة الحق كل شيء (فنبه على أنه تعالى هو الشهيد على قوم عيسى حين قال- وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ- فهي شهادة الحق في مادة عيسوية، كما ثبت أنه لسانه و سمعه و بصره، ثم قال: كلمة عيسوية و محمدية أما كونها عيسوية فإنه قول عيسى بإخبار الله عنه في كتابه، و أما كونها محمدية فلوقوعها من محمد صلى الله عليه و سلم بالمكان الذي وقعت منه) أي لعلو شأنها و رفعة مكانها عنده (فقام بها ليلة كاملة يرددها لم يعدل إلى غيرها حتى طلع الفجر- إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ- و هم ضمير الغائب، كما أن هو: ضمير الغائب، كما قال- هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا- بضمير الغائب فكان الغيب سترا لهم عما يراد بالمشهود الحاضر فقال- إِنْ تُعَذِّبْهُمْ- بضمير
__________________________________________________
- وَ أَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ- يعنى أنا شهيد على قوم مخصوصين ما دمت فيهم و أنت عليهم و على كل شيء شهيد أزلا و أبدا، و هي شهادة الحق في مقام الجمع و الإطلاق، فأثبت الشهادة أولا بنفسه بقوله- وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً- و نفى ثانيا بإثباتها و حصرها للحق بقوله- وَ أَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ- اه بالى.
(ثم قال كلمة عيسوية و محمدية) و هي- إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ- الآية أي ألحقه بالكلام السابق المحرر اه و المراد (بالمشهود الحاضر) عالم الشهادة و بما يراد به هو الحق تعالى، أي يشاهد الحق بالمشهود الحاضر