شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٧
فالاستعداد أخفى سؤال) القسم الثاني: هو الذي لا يكون عن سؤال، و منه تبين أن الأصناف الثلاثة كلها من القسم الأول كما ذكر، و قد صرح بأن المراد بالسؤال في الأقسام كلها هو السؤال اللفظي، فإنه على ثلاثة أقسام: لفظى كما مر، و حالى، و استعدادى، و لا بد في العطاء من سؤال الاستعداد و لا يتخلف عنه العطاء، لأنه مقتضى الاستعداد في نفس الأمر، أي ما قدر له حال عينه الثابتة قبل الوجود. و أما الحال فهو الباعث على الطلب و هو أيضا من الاستعداد، فلو لم يكن في الاستعداد الطلب لم تحصل الداعية، و لكن لا يقتضي حصول المطلوب حال الطلب و إن اقتضاه في الجملة، ثم شبه تقيد العطاء بالسؤال بتقيد الحمد بالسؤال، فإن الحمد لا يكون مطلقا إلا في اللفظ كقولك الحمد للَّه، و أما في المعنى فلا بد لك من باعث يبعثك على الحمد، كما تتصور صحتك و سلامة بيتك فتحمد مطلقا، و أنت تعلم أنت تحمده على حفظه إياك و خلقه لك بريئا من العاهات، فقد قيد حمدك الباعث الذي هو تصور معنى صحتك و خلقتك السليمة، باسم الباري الحافظ و هما اسما الفعل، و كما تدرك ديموميته تعالى فتحمده، فقد قيد الحال حمدك بالاسم الذي لم يزل و لا يزال و هو اسم تنزيه، فكذلك العطاء فقد تستشرف نفسك إلى شيء فيرزقك ربك فذلك الاستشراف، و الطلب في النفس هو السؤال الحالي، و قد يصل إليك العطايا من غير شعور منك به و لا استشراف في النفس، كمن تصادف كنزا بغتة فذلك منى اقتضاء استعدادك، و لذلك قال و الاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه و يشعر بالحال لأنه يعلم الباعث و هو الحال، و الاستعداد أخفى سؤال و هو المشار إليه بقوله- يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى- فإن الحال لا يعلمه غير صاحبه إلا الله، و الاستعداد هو الأخفى الذي لا يعلمه صاحبه أيضا فهو من غيب الغيوب، الذي لا يعلمه إلا الله.
قوله (و إنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن للَّه فيهم سابقة قضاء، فهم قد هيأوا محلهم لقبول ما يرد منه و قد غابوا عن نفوسهم و أغراضهم) ظاهر و هم أهل الرضا المريدون بإرادة الله، لا يريدون إلا ما أراد الله.
قوله (و من هؤلاء من يعلم أن علم الله تعالى في جميع أحواله، هو ما كان عليه في حال
__________________________________________________
فإنه أجل المعلومات فصاحب الحال يشعر بحاله (فالاستعداد أخفى سؤال) لا يطلع عليه إلا من اطلع بعالم الأسماء و الأعيان الثابتة، فإن السؤال بلسان الاستعداد ما هو إلا سؤال الأسماء ظهور كمالاتها و سؤال الأعيان وجوداتها اه بالى لأنه لما قال: و منها ما لا يكون عن سؤال، فقد ذكر حكما غير السائلين، أي و إنما منع غير السائلين عن السؤال اللفظي (علمهم بأن للَّه فيهم) أي حقهم (سابقة قضاء) أي حكم سابق عليهم في علمه الأزلى فلا بد أن يصل إليهم هذا الحكم السابق عليهم، فهم بذلك قد خلصوا عن قيد الطلب و الامتثال و حجابه (و من هؤلاء) أي من العلماء بالقضاء السابقة عليهم، أو من الصنف الذي منعهم علمهم هذا عن السؤال، أو من عباد الله الذين من هذا الصنف اه بالى.