شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٦٧
فعليك بالسؤال من ذلك الوجه في كل قليل و كثير و بالجزم بالإجابة إيمانا و تصديقا، فإن الله يقول- ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ- و منه التوفيق.
(٢٠) فص حكمة جلالية في كلمة يحياوية
إنما خصت الكلمة اليحيوية بالحكمة الجلالية، لأن الغالب على حاله أحكام الجلال من القبض و الخشية و الحزن و البكاء و الجد و الجهد في العمل، و الهيبة و الرقة و الخشوع في القلب، فمشربه من حضرة ذى الجلال فكان دائما تحت القهر، و قد خدت الدموع في خده أخاديد من كثرة البكاء، و كان لا يضحك إلا ما شاء الله، و كل ذلك من مقتضيات حضرة الجلال و القيام بحقها، و لذلك قتل في سبيل الله، و قتل في دمه سبعون ألفا حتى سكن دمه من فورانه.
(هذه حكمة الأولية في الأسماء، فإن الله سماه يحيى أي يحيى به ذكر زكريا) الأولية:
صفة لشيء يكون بها أولا، و الأولية في الأسماء أن يكون أول اسم سمى به لقوله- لَمْ نَجْعَلْ لَهُ من قَبْلُ سَمِيًّا- و قد جمع الله فيه بين العلمية و الوصفية على خلاف العادة، لأنه لما طلب زكريا من ربه وارثا يرث النبوة و العلم منه و يحيى به ذكره أجاب دعاءه بخرق العادة إذ وهبه بين شيخ و عجوز خاص، و سماه يحيى جمعا بين الوضع و المفهوم و هو أن يحيى به ذكره من باب الإشارة و لسانها تتمة في تسميته لخرق العادة بوجوده لأحد قبله بين التسمية و الإشارة إلى الوصف، عناية من الله بزكريا اختصاصا إلهيا و تشريفا، كما ذكر في قوله (فجمع بين حصول الصفة التي فيمن غبر) أي مضى (ممن ترك ولدا يحيى ذكره و بين اسمه بذلك فسماه يحيى فكان اسمه يحيى كالعلم الذوقي، فإن آدم عليه السلام حيى ذكره بشيث، و نوحا حيى ذكره بسام، و كذلك الأنبياء عليهم السلام، و لكن ما جمع الله لأحد قبل يحيى بين الاسم العلم منه) أي صادرا من عنده و من أمره في قوله- نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى- (و بين الصفة إلا لزكريا عناية منه إذ قال- فَهَبْ لِي من لَدُنْكَ وَلِيًّا- فقدم الحق على ذكر ولده كما قدمت آسية ذكر الجار على الدار في قولها- عِنْدَكَ بَيْتاً في الْجَنَّةِ- فأكرمه الله بأن قضى حاجته و سماه بصفته حتى يكون اسمه تذكارا لما طلب منه نبيه زكريا، لأنه آثر بقاء ذكر الله في عقبه إذ الولد سر أبيه فقال- يَرِثُنِي وَ يَرِثُ من آلِ يَعْقُوبَ- و ليس ثم موروث في حق هؤلاء إلا مقاما ذكر الله و الدعوة إليه) كان زكريا عليه السلام مظهر الرحمة و الكمال، و له حظ وافر من الجمال و الأنس و الجلال و القهر و الهيبة، لكنه قد غلبت على باطنه حالة الدعاء و السؤال و الخوف من أولياء السوء، و الهم من ضيقه ما قام به من ذكر الله و الدعوة بعده، و لم يكن له ولى يخلفه و يقوم بأمر النبوة، و قد أشرب باطنه