شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٧٤
(اعلم أن القلب: أعنى قلب العارف باللّه هو من رحمة الله و هو أوسع منها، فإنه وسع الحق جل جلاله و رحمته لا تسعه، هذا اللسان عموم من باب الإشارة، فإن الحق راحم ليس بمرحوم فلا حكم للرحمة فيه) إنما قال: إن القلب من رحمة الله، لقوله تعالى- رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ- و القلب شيء، و إنما كان أوسع منها لقوله على لسان نبيه «ما وسعني أرضى و لا سمائى و وسعني قلب عبدى المؤمن» و الحق محيط بالكل و الرحمة تنزل من مستوى الرحمن الذي هو العرش المحيط إلى كل العالم بما فيه، و قد قال أبو يزيد: لو أن العرش و ما حواه مائة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به، لأنه لا يبقى مع الحق و تجليه وجود لشيء فكيف يحس بالعدم، و إنما قال هذا لسان العموم، لأن عامة العلماء قائلون بهذا الحديث المذكور، و بأن الله تعالى راحم غير مرحوم، و لأن الرحمة صفة من صفات الله تعالى قائمة به فلا تسعه و القلب يسعه، و إنما قال: من باب الإشارة، لأن في لسانهم رمزا إليه من قبيل المفهوم لا المنطوق، فإنهم لا يصرحون به و لكن يلزمهم.
(و أما الإشارة من لسان الخصوص، فإن الله تعالى وصف نفسه بالنفس و هو من التنفيس، و أن الأسماء الإلهية عين المسمى و ليس إلا هو، و إنها طالبة ما تعطيه من الحقائق و ليست الحقائق التي تطلبها الأسماء إلا العالم، فالألوهية تطلب المألوه و الربوبية تطلب المربوب، و إلا فلا عين لها إلا به وجودا و تقديرا، و الحق من حيث ذاته غنى عن العالمين، و الربوبية ما لها هذا الحكم، فبقي الأمر بين ما تطلبه الربوبية و بين ما تستحقه الذات من الغنى عن العالم، و ليست الربوبية على الحقيقة و الاتصاف إلا عين هذه الذات) و الدليل عليه ترتيب قوله- الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- و ما قال للرب إله العالمين، و قد مر أن الأشياء في ذات الباري تعالى بالقوة كالشجرة في النواة ليست لها فيه عين، و هي كرب الرحمن فوصف نفسه بالنفس و هو الإيجاد إذ به نفس عن كربه بالوصف له و الذات مع أي وصف اعتبر معه اسم و الأسماء الإلهية عين المسمى، فليس النفس إلا هو لأن الصفة نسبة و النسب أمور عقلية، و ليست الأسماء في الحقيقة إلا عين الذات مع اعتبار فقط، و الأسماء تطلب مقتضياتها كما ذكر غير مرة، و مقتضياتها ليست إلا الحقائق التي هي أجزاء العالم و مجموعها العالم، و هو المألوه و المربوب فالألوهية التي هي الحضرة الأسمائية، و الربوبية التي هي حضرة الأفعال الصادرة عن الأسماء تطلب العالم بما فيه و لم تثبت إلا به لأنها من الإضافيات فلا عين لها بدون المضاف وجودا و تقديرا، يعنى عينا و ذهنا، فالربوبية ما لها غنى عن العالمين بل الغنى عن الكل ليس إلا الذات وحدها، فالأمر ذو وجهين: غنى من وجه و لا غنى من وجه، و ليست الربوبية في الحقيقة غير الذات لأنها نسب اعتبرت
__________________________________________________
١- أي حكم الغنى عن العالمين و كذلك الألوهية و إن كانت غيرها من وجه، فكانت الذات مستحقة بالغنى عن العالم من حيث الأحدية، و مستحقة بالافتقار إليه من حيث الربوبية اه.