شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٨٩
(- الْحَمْدُ لِلَّهِ- فرجعت إليه عواقب الثناء من كل حامد و محمود) فإن الحمد صفة كمال من كمالاته تعالى يصدر منه حقيقة، فإنه هو الظاهر في صورة الحامد، مظهرا لكماله بالحمد و الثناء الذي هو حقيقة لكل محمود هو عينه المتجلى في صورة ذلك المحمود للكمال الذي يستحق به الحمد (- وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ- فعم ما ذم) و حمد و ما ثم إلا محمود أو مذموم) أما عمومه لما حمد فظاهر مما مر، و أما عمومه لما ذم فإن الذم العقلي و العرفي و الشرعي لا يترتب إلا على متعين نسبى ذاتا كان أو صفة، باعتبار تعينه و نسبته إلى متعين يوجب انعدامه أو انعدام كمال له، و لو انقطع النظر عن ذلك التعين النسبي، انقلب مدحا و حمدا بحسب الحقيقة و بحسب نسب أخرى أكثر من تلك النسبة، كما أن الشهوة مذمومة و الزاني و الزنا مذمومان، و لا شك أن حقيقة الشهوة هي قوة الحب الإلهي الساري في وجود النفس و هو محمود بذاته، ألا ترى أن العنة كيف ذمت في نفسها، و كذا الزاني باعتبار أنه إنسان، و الزنا باعتبار أنه وقاع فعل كمالى لو لم يقدر الإنسان عليه كان ناقصا مذموما، فالشهوة باعتبار حقيقتها التي هي الحب، و باعتبار تعينها في الصورة الذكورية أو الأنوثية، و كونها سبب حفظ النوع و توليد المثل و موجبة اللذة كمال محمود، و كذا الزنا باعتبار قطع النظر عن هذا العارض كان محمودا في نفسه و بسائر النسب، فانقلب الذم حمدا في الجميع و لم يبق توجه الذم إلا على عدم طاعة الشهوة العقل و الشرع و ترك سياستها لها، فكونها مذمومة إنما هو بالإعراض عن حكمها، حتى أدى فعلها إلى انقطاع النسب و التربية و الإرث و اختلال النظام بوقوع الهرج و المرج و هو فتنة، و كلها أمور عدمية راجعة إلى اعتبار التعين الخلفى، و جهة الإمكان و صفات الممكنات باعتبار عدميتها، و إلا فالوجود و الوجوب و أحكامهما كلها محمودة، و الأمر حمد كله.
(اعلم أنه ما تخلل شيء شيئا إلا كان محمولا فيه، فالمتخلل: اسم فاعل محجوب، بالمتخلَّل: اسم مفعول فاسم المفعول هو الظاهر، و اسم الفاعل هو الباطن المستور) المتخلل: هو النافذ في الشيء المتغلغل في جوهره كالماء في الشجر، و لا شك أن ذلك الشيء حامل له ظاهر، و المحمول مستور فيه باطن (و هو) أي المتخلل (غذاء له) أي لما يتخلله (كالماء يتخلل الصوفة فتربو به و تتسع).
قوله (فإن كان الحق هو الظاهر فالخلق مستور فيه، فيكون الخلق جميع أسماء الحق، سمعه و بصره و جميع نسبه و إدراكاته و إن كان الخلق هو الظاهر فالحق مستور باطن فيه، فالحق سمع الخلق و بصره و يده و رجله و جميع قواه، كما ورد في الخبر الصحيح) إشارة
__________________________________________________
(و إدراكاته) عطف بيان لقوله (جميع أسماء الحق) هذا نتيجة قرب الفرائض، فشاهد العهد في ذلك المقام في مرآة وجوده الوجود الحق، و يرى أن الحق يسمع به و يبصر به، و كأن الأحكام كلها للحق لكن بسبب العبد، و هذا إذا تجلى الله لعباده باسمه الباطن، و حينئذ كان العبد باطنا و الحق ظاهرا له (و إذا كان الخلق هو الظاهر، فالحق مستور و باطن فيه) أي في الخلق، فالحق سمع الخلق و بصره و يده اه بالى.