شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٠٤
التعينات الروحانية إلى العقول السماوية و الأرواح العلوية و الكروبيين و أرواح الكمل من الأنبياء و الأولياء، فالعقل الأول هو متعين كل طبيعى، يشمل جميع المتعينات و يمدها و بقومها و يفيض عليها النور و الحياة دائما، ثم يتنزل مراتب التعينات إلى تعين النفس الكلية المسماة باللوح المحفوظ، و نسبتها إلى النفوس الناطقة المجردة الطاهرة في مظاهر جميع الأجرام السماوية أفلاكها و كواكبها، و إلى النفوس الناطقة الإنسية بعينها نسبة العقل الأول إلى الأنواع و الأصناف التي هي تحتها في عالمها، و هذه النفس الكلية أيضا مراتب تعيناته في التنزل، ثم مراتب النفوس المنطبعة في الأجرام التي يسمى عالمها عالم المثال، ثم مراتب العناصر التي هي آخر مراتب التنزلات، و كلها تعينات الوجود الحق المتجلى في مراتب النفوس بصور التعينات الخلقية و شئونها الذاتية كما مر غير مرة فالأرواح المتعينة بالتعينات الكلية من المجردات العقلية و النفوس السماوية و الأرواح النبوية مفيضات و ممدات لما تحتها من الأرواح المتعينة بالتعينات الجزئية البشرية، و مقومات لها تقويم الحقائق النوعية أشخاصها، و مدبرات و حاكمات عليها سياسة لها سياسة الأنبياء أممها و السلاطين خولها، و من هذا يعرف سر قوله «كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين» و يفهم معنى قوله- إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً- و الأرواح المتعينة بالتعينات الجزئية و الهيئات المزاجية الشخصية تحت قهرها و سياستها و تصريفها بحسب إرادتها، فهي بالنسبة إليها كالقوى الجسمانية و النفسانية و الروحانية على اختلاف مراتبها بالنسبة إلى روحنا المدبرة لأبداننا، و كالخدم و الأعوان و العبيد بالنسبة إلى المخادم و السلاطين و الموالى، و كالأمم و الأتباع بالنسبة إلى الأنبياء و المتبوعين. إذا تقرر هذا فنقول: أرواح الأنبياء هم التعينات بالتعينات الكلية في الصف الأول، و أرواح أممهم بل أكثر الملائكة و الأرواح و النفوس الفلكية كالقوى و الأعوان و الخدم بالنسبة إليهم، و من هذا يعرف سر سجود الملائكة لآدم، و سر طاعة أهل العالم العلوي و الجن و الإنس لسليمان و لذي القرنين و سر إمداد الملائكة للنبي عليه الصلاة و السلام في قوله تعالى- أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ من الْمَلائِكَةِ- الآية، فعلى هذا كانت الأبناء الذين قتلوا في زمان ولادة موسى هي الأرواح التي تحت حيطة روح موسى عليه السلام و في حكم أمته و أعوانه، فلما أراد الله إظهار آيات الكلمة الموسوية و معجزاتها و حكمها و أحكامها، و قدر الأسباب العلوية و السفلية من الأوضاع الفلكية و الحركات السماوية المعدة لمواد العالم، و الامتزاجات العنصرية و الاستعدادات القابلة المهيأة لظهور ذلك و قرب زمان ظهوره، تعينت أمزجة قابلة لتلك الأرواح فتعلقت بأبدانها، و كان علماء القبط و حكماؤهم أخبروا قومهم أنه يولد في ذلك الزمان مولود من بنى إسرائيل يكون هلاك فرعون و ذهاب ملكه على يده، فأمر فرعون بقتل كل من يولد من الأبناء في ذلك الزمان حذرا مما قضى الله و قدر،