شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٠٧
و ليس لهم عمل، فأبقى الله تعالى من حضرته اسم العدل و الحكم، هذا القدر من الشرع أخره إلى ذلك اليوم ليظهر استحقاقهم لنيل الثواب و العقاب بحسب الطاعة و المعصية، و أما الذين يدعون إلى السجود مع عدم الطاعة فذلك تصوير و تذكير بحالهم في دار التكليف لهم إلزاما للحجة عليهم.
(١٥) فص حكمة نبوية في كلمة عيسوية
إنما اختصت الكلمة العيسوية بالحكمة النبوية، و إن كان جميع هذه الحكم نبوية لأن نبوته فطرية غالبة على حاله، و قد أنبأ عن الله في بطن أمه بقوله- أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ (رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا- و في المهد بقوله- آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا- إلى بعثته و هو الأربعون لقوله عليه الصلاة و السلام «ما بعث نبى إلا بعد تمام الأربعين» و قيل إنها ليست مهموزة من النبإ، بل ناقصة من نبا ينبو نبوا بمعنى ارتفع لارتفاع مقامه كما يأتى، و لقوله- بَلْ رَفَعَهُ الله إِلَيْهِ- و لختم الولاية عليه، و الله أعلم.
(عن ماء مريم أو عن نفخ جبرين في صورة البشر الموجود من طين)
(تكون الروح في ذات مطهرة من الطبيعة تدعوها بسجين)
لما كانت النبوة مدرجة في الكلمة الإلهية التي هي حقيقة عيسى الملقب بروح الله في ذات مطهرة من عالم الطبيعة في حالة كونك تدعو تلك الطبيعة أو يدعوها الظاهرة في صورة بشرية طبيعية احتمل تكونه من ماء مريم لنشأته الطبيعية، فإنها نفس طاهرة منبأة من عند الله بما يكون عنها في قوله تعالى- إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ- و من نفخ جبريل فإنه الروح الأمين على أنباء الله التي أنبأ بها جميع الأنبياء عن الحق و منهما جميعا بحسب روحانيته و جسمانيته فاستفهم عن وجود نشأته، أنه من أيهما تكون لاحتمال الجميع في النظر العقلي، فقال: أ عن ماء مريم بل أ عن نفخ جبرين تكون هذا الروح، و هذا الاستفهام مبنى على النظر العقلي. و أما بحسب الكشف فهو الكلمة الإلهية التي أنبأ الله أمه و جبريل هو الواسطة الذي وقع على لسانه إلى أمه و أداه إلى قلبها كسائر الأنباء التي ألقاها إلى الأنبياء، و لا بد من توسط الروح الذي هو جبريل ليتعين هذا الروح و الكلمة الإلهية و يصل إلى مريم عليها السلام:
__________________________________________________
(عن ماء مريم) استفهام تقرير حذفت همزته (أو) بمعنى الواو (عن نفخ جبرين) أي جبريل (في) يتعلق بجبرين (صورة البشر الموجود) أي المخلوق (من طين) و عن متعلق بقوله: (تكون الروح) العيسوى (في ذات مطهرة) ذات مريم (من الطبيعة) أي من أدناسها و أرجاسها و مقتضياتها من اللذات الشهوانية (تدعوها) أي الطبيعة التي تدعو مريم أي شأن هذه الطبيعة أن تدعو مريم (بسجين) أي جحيم اه بالى.