شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٠
لنا ما جرى لنقف عنده و نتعلم الأدب مع الله تعالى، فلا ندعى ما نحن متحققون به و حاوون عليه بالتقييد) أي ما أن كل واحد منا محقق به و حاو عليه و المحقق لا يلتفت لفت العبارة فلا حرج في أن تختلف الضمائر بالجمع و التوحيد، و المراد أن الحق تعالى قص لنا القصة لنتعلم الأدب معه، فلا نعترض و لا ندعى فيما تحقق عندنا و لا نشك فيه أنه علمنا أو حالنا على التعيين و التقييد لأنه علم الله (فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لي بحال و لا أنا منه على علم) أي فكيف ندعى ما ليس بعلمنا و حالنا، أو لا ندعى أنه هو الحق على التعيين و التقييد و ليس وراءه علم (فنفتضح، فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء) أي تعريف حال الملائكة في ادعاء مطلق التسبيح و التقديس فإنه تأديب لعباده من الأناسى (ثم نرجع إلى الحكمة) أي الحكمة الإلهية المذكورة، فإن قصة الملائكة اعتراض وقع في أثنائها على سبيل الاستطراد، ليعلم أن ما قالوا إنما قالوه لنقصان نشأتهم بالنسبة إلى نشأة آدم و لم يعلموا أن تجرحهم أيضا كمال له، فإن العبادة الذاتية إنما تتحقق بتجلى جميع الأسماء فيه، و تجلى اسم التواب و العفو و الغفور و العدل و المنتقم لا يمكن إلا إذا اقتضت المشيئة الإلهية جريان الذنب على العبد، و لذلك قال عليه الصلاة و السلام حكاية عن ربه «أنين المذنبين أحب إلىّ من زجل المسبحين» و اعتبر بخطيئة آدم و داود عليهما السلام فإن بعض كمالات العبد و قبول تجلى بعض الأسماء الإلهية موقوف على انكساره بالذنب و الاعتذار و التوبة و لهذا قال عليه الصلاة و السلام «لو لم تذنبوا لخشيت عليكم أشد من الذنب العجب العجب العجب» ألا ترى أن عصمتهم حملتهم على قولهم- وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ- و من ثم قال عليه الصلاة و السلام «لو لا أنكم تذنبون لذهب الله بكم و جاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» فضم بنى آدم المعصية إلى الطاعة عبادة توجب تجلى الحق بأسماء كثيرة، و ذلك مما لم تقف الملائكة عليه أيضا لقصور نشأتهم، و إذا رجع إلى الحكمة و مهد قاعدة يبتنى عليها ارتباط الحق بالخلق و تتبين منها الحكمة في إيجاد العالم و هو ظهور معنى الإلهية فقال (فنقول: اعلم أن الأمور الكلية و إن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن فهي باطنة لا تزال عن الوجود الغيبى) يعنى أن الأمور الكلية أي المطلقة كالحياة و العلم مثلا لها وجود عينى في العقل و وجود غيبى في الخارج، فإن الوجود الخارجي عين المطلق العقلي مقيدا بقيد الجزئية لكن الكلية المطلقة لا تزال معقولة مندرجة تحت اسم الباطن، و لا توجد من حيث كليته
__________________________________________________
(أن الأمور الكلية) أي الصفات المشتركة بين الحق و العبد التي يتحقق الارتباط بها بينهما (و إن لم يكن لها وجود في عينها) أي وجود خارجى في نفسها (فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن) فكان موجودا بالوجود الذهني (فهي باطنة) أي ممتنعة الوجود في الخارج من حيث كونها معقولة بالى.