شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٩٢
(و بالكشفين معا ما يحكم علينا إلا بنا، لا بل نحن نحكم علينا بنا، و لكن فيه) الحق أن لا يحكم علينا إلا بما فينا من أحوال أعياننا، بل الحاكم و المحكوم عليه واحد كما مر، فنحن نحكم على أعياننا الظاهرة بما فيها من حيث هي باطنة ثابتة بالتعين العلمي، في الوجود الحق المطلق (فلذلك قال- فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ- يعنى على المحجوبين، إذا قالوا للحق: لم فعلت بنا كذا و كذا مما لا يوافق أغراضهم) فيقول على لسان المالك- لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ- أي بالذي هو مقتضى أعيانكم و الذي سألتموه بلسان استعدادكم، كقوله- وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ- (فكشف بهم عن ساق) و في نسخة: فيكشف لهم الحق عن ساق (و هو) شدة الأمر الذي اقتضاء أعيانهم على خلاف ما توهموه، و هو (الأمر الذي كشفه العارفون هنا، فيرون) هناك بالحقيقة رأى العين (أن الحق ما فعل بهم ما ادعوه أنه فعله) بل فعلوه بأعيانهم و أنفسهم (و) يتحققون (أن ذلك منهم فإنه ما علمهم إلا على ما هم عليه) في حال ثبوت أعيانهم (فتندحض حجتهم و تبقى الحجة للَّه البالغة فإن قلت: فما فائدة قوله- فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ- قلنا لو شاء، لو حرف امتناع لامتناع، فما شاء إلا ما هو الأمر عليه) معنى السؤال: أن المشيئة الأولى الذاتية التي اقتضت الأعيان اقتضت ضلال الضال و هداية المهتدى، فكان قولهم- لَوْ شاءَ الله ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا- قولا حقا، و قوله تعالى- فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ- مقرر له، فكيف يقوم جوابا لهم و معنى الجواب أن لو حرف وضع للملازمة مع امتناع التالي الذي هو وجود الهداية، فيستلزم عدم مشيئته الذاتية الأقدسية الموجبة لتنوع الاستعدادات، فما شاء إلا هداية البعض و ضلال البعض على ما هو الأمر عليه، و أما قولهم- لَوْ شاءَ الله ما أَشْرَكْنا- فهو كقول أمير المؤمنين على رضى الله عنه، حين سمع قول الخوارج: لا حكم إلا للَّه: كلمة حق يراد بها باطل، فإن المشركين لما سمعوا قول المؤمنين ما شاء الله، كأن قالوا ذلك تعنتا و إلزاما لا عن عقيدة و علم و إلا كانوا موحدين، و لذلك قال تعالى في جوابهم- قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ من عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ- و قال- وَ لَوْ شاءَ الله ما أَشْرَكُوا- (و لكن عين الممكن قابل للشيء و نقيضه في حكم دليل العقل، و أي الحكمين المعقولين وقع ذلك هو الذي كان عليه الممكن
__________________________________________________
(و بالكشفين معا) يحصل لنا العلم، بأنه (ما يحكم علينا إلا بنا) بسبب طلبنا ذلك الحكم منه لكن يظهر ذلك الحكم فينا هذا ناظر إلى الكشف الأول (لا) أي لا يحكم الحق بحكم من الأحكام علينا (بنا بل نحن نحكم علينا بنا) أي الحاكم علينا بنا نحن (و لكن) ذلك الحكم يظهر (فيه) أي في مرآة الحق هذا ناظر إلى الكشف الثاني، فمن جمع بينهما بحيث لا يحجب أحدهما عن الآخر فهو الواصل إلى درجة الكمال في رتب العلم باللّه (و لذلك) أي و لأجل أن كون الحكم علينا منا لا من الله، و أن ما فعل الله بنا إلا ما نحن نفعل بأنفسنا (قال تعالى- فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ-) فأمكن عند العقل هداية كل ممكن، لأن العقل قاصر عن إدراك الشيء على ما هو عليه، فجاز أن يكون الشيء الواحد ممتنعا في نفسه، و ممكنا عند العقل (و أي الحكمين المعقولين) من الهداية و عدمها (وقع ذلك) الحكم المعقول (هو الذي كان عليه الممكن