شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٠٨
يعرفوه فلم يظهر، لأنه إنما يبرز في صورة العين الثابتة لكل واحد من الخلائق، فيعرفونه و يشهدونه بقدر ما تجلى لهم فيهم:
(إذا ما تجلى للعيون ترده عقول ببرهان عليه تثابر)
يعنى إذا تجلى في صورة محسوسة ترده العقول بالبرهان العقلي و إن كان حقا في طور عالم الحس و في نفس الأمر، لأن العقل ينزهه من أن يكون محسوسا، فيكون في حيز وجهة و يجله عن ذلك، و هو كما يتعالى عما ينزهه عنه تعالى يتعالى عن ذلك التنزيه أيضا، فإنه تشبيه بالأرواح و تقييد للمطلق فيكون محدودا، و الحق أنه متعال عن الجهة و اللاجهة، و التحيز و اللاتحيز، و عن تقييد الحس و العقل و الخيال و الوهم و الفكر، و لا يحيطون به علما و هو المحيط بالكل، و لا يحوم حول عرفانه المقيدون و لا المشبهون و لا المنزهون، لا باطن يحصره و يخفيه و لا ظاهر يظهره و يبديه، تعالى عما يصفون و عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
(و يقبل في مجلى العقول و في الذي يسمى خيالا و الصحيح النواظر)
أي يقبله العقلاء إذا تجلى في صورة عقلية غير محسوسة، و لا مكيفة بكيف و لا مقدرة بمقدار يطابقها البرهان العقلي، و كذلك تقبله الناس إذا تجلى في صورة خيالية في المنام، و لا يقبلونه في صورة محسوسة، و الصحيح كشف شهود العيون النواظر، و هي العيون الناظرة بالحق الغير الحاصرة له فيما تجلى لهم ظاهرا، كقوله تعالى- وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ- (يقول أبو يزيد رضى الله عنه في هذا المقام: لو أن العرش و ما حواه مائة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس بها و هذا وسع أبى يزيد في عالم الأجسام، بل أقول: لو أن ما لا يتناهى وجوده يقدر انتهاء وجوده من العين الموجدة له، في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسن بذلك في علمه) قلب العارف:
هو الذي وسع الحق بفنائه فيه و بقائه به مطلقا بلا تعين، و كل ما فرض وجوده من الأمور المعينة مع العين الواحدة التي تعينت بالتعين الأول و يتعين بها كل متعين، فهو متعين منحصر في تعينه غير مطلق، و كل متعين فهو فان في المطلق الواجب، و قلب العارف مع
__________________________________________________
يكون موطن إلا و الحق ظاهر فيه بالأحكام اللائقة اه و قابل الحق (في مجلى العقول) العقول المجردة، و في مجلى الخيال القلب و النفوس المجردة، حصر ظهور الحق كل منهما في مرتبتهما، و ليس ذلك الحصر بصحيح (و الصحيح) في قبول الحق (النواظر) و هي جمع ناظرة، فتشاهد الناظرة الحق في جميع المراتب الإلهية و الكونية، فيعرفون الحق في كل موطن فيعبدونه، فهم يستغفرون الحق بجميع كمالاته فلا يحتجبون بصور الأكوان عن الحق، فقلوبهم يسعون فيفوتهم غير الحق اه (يقول أبو يزيد في هذا المقام) أي في مقام سعة القلب اه (و هذا وسع أبى يزيد) إذ قيد و سعة القلب في الأجسام و لم يعم عالم الأرواح (من العين الموجدة له) هي العقل الأول إذ به يخلق الله جميع المخلوقات اه.
قوله (ما أحس بذلك في علمه) و ذلك لأن الحق تجلى له باسمه الواسع و العليم المحيط بكل شيء فيسع