شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٦٨
حال مريم و كونها متبتلة منقطعة إلى الله حصورا، و كانت آيته عند البشارة بالولد الصمت و الذكر و الحبسة في اللسان من غير ذكر الله. جاء يحيى على صورة باطنه من غلبة أحكام الجلال على أحكام الجمال، حصورا مداوما على الذكر و الخشية فإن الولد سر أبيه، و قد حكم حاله على حاله حتى تحكمت عليه الأعداء بحكم القهر و الجلال، حتى تحكمت على يحيى عليه السلام (ثم إنه تعالى بشره بما قدمه من سلامه عليه يوم ولد و يوم يموت و يوم يبعث حيا، فجاء بصفة الحياة و هي اسمه، و أعلمه بسلامه عليه و كلامه صدقه فهو مقطوع به و إن كان قول الروح- وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا- أكمل في الاتحاد و الاعتقاد و أرفع للتأويلات) يعنى أن الله بشر بما قدمه على اقترانه من سلامه عليه، و وصفه بالحياة التي هي صورته الذاتية و اسمه الذي يميزه به عن غيره، و أعلمه بنفسه بالسلام عليه فكان وصفه إياه بذلك أكمل من حيث أن كلامه صدق مقطوع به عن الكل من أهل الحجاب و الكشف، و إن كان قول عيسى عليه السلام- وَ السَّلامُ عَلَيَّ- أكمل من حيث الاتحاد، فإن الله هو المسلم على نفسه من حيث تعينه في المادة العيسوية، و يدل على كمال تمكن عيسى من شهود هذه الأحدية، و أما سلام الله على يحيى من حيث أن الله هوية لا في مادة يحيى من حيث هويته المطلقة، فهو أتم و أكمل في الاعتقاد بالنسبة إلى شهود أهل الحجاب، و أما بالنسبة إلى شهود أهل الذوق فالاتحاد من قبل الحق من كونه تعالى مسلما على نفسه في مادة يحيوية من حيث كون ربه وكيلا له في التسليم عليه أتم و أعم، و لكن لا يدل على تمكن يحيى من شهود هذه الأحدية إلا أنه أرفع للالتباس الذي عند الجاهل المحجوب (فإن الذي انخرقت فيه العادة في حق عيسى إنما هو النطق، فقد تمكن عقله و تكمل في ذلك الزمان الذي أنطقه الله فيه، و لا يلزم التمكن من النطق على أي حالة كان الصدق فيما به نطق بخلاف المشهود له كيحيى، فسلام الحق على يحيى من هذا الوجه أرفع
__________________________________________________
(أكمل في الاتحاد) أي هذا القول أكمل في الدلالة على اتحاد عيسى مع الحق، فإذا كان قول الحق صدقا مقطوعا به فهذا: أي قول الحق في حق يحيى أكمل في الاتحاد، أي في الدلالة على اتحاد الحق مع يحيى و أكمل في الاعتقاد في عدم الاحتمال على خلافه، إذ شهادة الحق على سلامه على العبد أقوى من شهادة العبد على سلامه على نفسه و أرفع التأويلات بخلاف قول عيسى، فإنه يؤول بأن لسانه لسان الحق و به نطق و شهد على سلامه على نفسه فشهادته على نفسه شهادة الحق عليه و كلامه صدق، فاحتاج قول الروح في رفع الالتباس إلى التأويل، و المقصود أن نص سلامه على عيسى مثل تنصيص سلامه على يحيى، كخلافة آدم بالنسبة إلى خلافة داود في التنصيص كما مر بيانه اه بالى.
فحاصل المعنى ثم أنه تعالى بشر يحيى بما قدمه بشيء قدمه ذلك الشيء و فضله على سائر الأنبياء، و ذلك الشيء سلام عليه في المواطن الثلاثة تفصيلا، فإنه لم يقع إلى نبى من الأنبياء و من قوله من سلامه بيانية- يَوْمَ وُلِدَ- من رحم أمه أو أم الطبيعة- وَ يَوْمَ يَمُوتُ- بالموت الطبيعي أو الإرادى- وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا- يوم القيامة أو بالبقاء بعد الفناء، و إذا كان في هذه المرتبة به ذكر زكريا فجاء بصفة الحياة فيها، و هي ما أخذ منها اسمه الدال على حياة ذكر زكريا و أعلمه بسلامه و كلامه صدق فهو مقطوع به اه جامى.