شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٤١
اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، و لا الضالين، يقول الله: فهؤلاء لعبدي و لعبدي ما سأل فخلص هؤلاء لعبده كما خلص الأول للَّه تعالى فعلم من هذا وجوب قراءة الحمد للَّه رب العالمين فمن لم يقرأها فما صلى الصلاة المقسومة بين الله و بين عبده كما قال عليه الصلاة و السلام «لا صلاة إلا بالفاتحة الكتاب» و كذلك علم من هذا الحديث الصحيح أن البسملة جزء من الفاتحة، بل من الصلاة لأن الفاتحة هي الصلاة المقسومة و قد عد البسملة قسما منها و قد بين الله في الفاتحة الفردية الأولى التي خص بها محمد صلى الله عليه و سلم و بنى الوجود عليها أعنى التثليث، لأن القسم الأول مختص بالحق، و الأخير بالعبد، و ما بينهما مشترك بين الحق و العبد.
(و لما كانت الصلاة مناجاة فهي ذكر، و من ذكر الحق فقد جالس الحق و جالسة الحق، فإنه صح في الخبر الإلهي أنه تعالى قال أنا جليس من ذكرني و من جالس من ذكره و هو ذو بصر رأى جليسه فهذه مشاهدة و رؤية فإن لم يكن ذا بصر لم يره، فمن هنا يعلم المصلى رتبته، هل يرى الحق هذه الرؤية في هذه الصلاة أم لا؟ فإن لم يره فليعبده بالإيمان كأنه يراه متخيله في قبلته عند مناجاته، و يلقى السمع لما يرد به عليه من الحق، فإن كان إماما لعالمه الخاص به و للملائكة المصلين معه، فإن كل مصل فهو إمام بلا شك، فإن الملائكة تصلى خلف العبد إذا صلى وحده، كما ورد في الخبر، و كما بين في غير موضع أن كل جزء من العالم موجود في الإنسان إما بصورته كالعناصر، و إما بحقيقته و عينه كالأفلاك و سائر الأشياء، فيكون العالم فيه و الملائكة قواه الطبيعية و النفسانية و الروحانية (فقد حصل له رتبة الرسول في الصلاة، و هي النيابة عن الله تعالى) فقوله قد حصل له جواب الشرط (و إذا قال: سمع الله لمن حمده، فيخبر عن نفسه و من خلفه بأن الله قد سمعه، فتقول الملائكة و الحاضرون: ربنا لك الحمد، فإن الله تعالى قال على لسان عبده:
سمع الله لمن حمده، فانظره علو رتبة الصلاة و إلى أين تنتهي بصاحبها، فمن لم يحصل درجة الرؤية في الصلاة فما بلغ غايتها و لا كان له فيها قرة عين لأنه لم ير من يناجيه، فإن لم يسمع ما يرد من الحق عليه فيها فما هو ممن ألقى السمع، و من لم يحضر فيها مع ربه مع كونه لم يسمع و لم يره فليس بمصلّ أصلا، و لا هو ممن ألقى السمع و هو شهيد) اعلم أن الرؤية و السماع و الشهود من العبد المصلى للحق، قد يكون بقوة الإيمان و اليقين حتى يكون خاتمة اليقين منه بمثابة الإدراك البصري و السمعي، أعنى في قوة الضروريات و المشاهدات، و قد يكون ببصر القلب: أي نور البصيرة و الفهم، أعنى بنور تجليات الصفات الإلهية للقلب حتى صار العلم عيانا، و قد يكون بالرؤية البصرية فيتمثل له الحق متجليا مشهودا له قاسما للصلاة بينه و بين عبده، و قد يجمع الله هذه كلها لعبده الكامل الأوحدى، و قد يختص كل واحد
__________________________________________________
فكانت الفردية الثلاثة في الصلاة مرتبة الحضور، و هي أدنى مرتبة الصلاة، و مرتبة السمع، و مرتبة الرؤية و بدون هذه الثلاثة لا يتم أداء الصلاة بالى.