شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٤٢
بالعجز و هو أعلى (و هذا هو أعلى عالم باللّه و ليس هذا العلم) بالأصالة (إلا لخاتم الرسل و خاتم الأولياء، و ما يراه أحد من الأنبياء و الرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، و لا يراه أحد من الأولياء، إلا من مشكاة الولى الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء) أي الرسل كلهم يأخذونه من خاتم الرسل و هو يأخذ من باطنه من حيث أنه خاتم الأولياء لكن لا يظهر لأن وصف رسالته يمنعه فإذا ظهر باطنه في صورة خاتم الأولياء يظهره. و الحاصل أن الرسل و الأولياء كلهم يرونه من مشكاة خاتم الأولياء.
(فإن الرسالة و النبوة أعنى نبوة التشريع و رسالته تنقطعان) إنما قيد النبوة بالتشريع احترازا عن نبوة التحقيق فإن النبي له جهتان تبليغ الأحكام المتعلقة بحوادث الأكوان و الإخبار عن الحق و أسمائه و صفاته و أحوال الملكوت و الجبروت و عجائب عالم الغيب و هو باعتبار التبليغ رسول و شارع و نبوته تشريعية و باعتبار الأنباء عن الغيب، و تعريف الحق بذاته و أسمائه ولى و نبوته تحقيقية، فرسالة التشريع و نبوته تنقطعان لأنهما كمال له بالنسبة إلى الخلق و أما القسم الآخر فمن مقام ولايته التي هي كمال له بالنسبة إلى الحق لا بالنسبة إلى الخلق بل كمال حقانى أبد كما قال (و الولاية لا تنقطع أبدا) فهو باعتبار ولايته أشرف منه باعتبار رسالته و نبوته التشريعية فخاتم الرسالة من حيث الحقيقة هو خاتم الولاية و من حيث كونه خاتما للولاية معدن هذا العلم و علوم جميع الأولياء و الأنبياء و هو مقامه المحمود الذي يبعثه فيه، فاعلم ذلك حتى لا تتوهم أنه محتاج في علمه إلى غيره، و هو معنى قوله (فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فكيف من دونهم من الأولياء).
قوله (و إن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فذلك لا يقدح في مقامه و لا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى، و قد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم فيهم في تأبير النخل، فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شيء و في كل مرتبة، و إنما نظر الرجال إلى التقدم في رتب العلم باللّه هنالك مطلبهم. و أما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها فتحقق ما ذكرناه) إشارة إلى أن خاتم الأولياء قد يكون تابعا في حكم الشرع كما يكون المهدى الذي يجيء في آخر الزمان، فإنه يكون في الأحكام الشرعية تابعا لمحمد صلى الله عليه و سلّم، و في المعارف و العلوم و الحقيقة تكون جميع الأنبياء و الأولياء
__________________________________________________
(و ليس هذا إلا) أي لا يأتى علم العطايا الذاتية الذي أعطى السكوت لأحد من الله بالذات (إلا لخاتم الرسل) من حيث وسيليته (و خاتم الأولياء) من حيث ولايته اه بالى.
و المراد بقوله (من وجه يكون أعلى) بيان زيادة خاتم الأولياء من الوجه المذكور، و لا يلزم منه الأفضلية و إنما يثبت فضيلته من حيث هو متبوع على التابع إذا لم يكن متبوعية ذلك المتبوع من التابع فكان التابع من حيث أنه تابع أفضل من المتبوع من حيث أنه متبوع لكون المتبوعية له من إعطاء التابع، فكما أن الله أعلى و أشرف على معلوماته فكذلك ختم الرسل فتابعيته بختم الأولياء تابعية صاحب القوى قواه في أخذ مراداته،