شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٢٧
وَ لا أَعْلَمُ ما- فيها) من كونها أنت (ففي العلم عن هوية عيسى من حيث هويته لا من حيث أنه قائل و ذو أثر) أي القائل و المتكلم هو الحق (إنك أنت، فجاء بالفصل و العماد تأكيدا للبيان و اعتمادا عليه إذ لا يعلم الغيب إلا الله) يعنى أدى الخطاب بالتفرقة في عين الجمع بالفصل و العماد تحقيقا لإفراد الحق من حيث تعينه في إطلاقه و فصله عن تعينه الشخصي، ليكون العلم كله منسوبا إليه في الإطلاق و التقييد و الجمع و الفرق، فإنه هو- عَلَّامُ الْغُيُوبِ- (ففرق و جمع و وحد و كثر و وسع و ضيق) أي فرق بإفراد المخالطب و تمييزه عن المخاطب، و جمع بجعل الحق متعينة في الصورة العيسوية و في كل شيء من العالم و في ذاته مطلقا، و وحد بهذا الجمع من حيث أحديته المطلقة و كثر من حيث هذا الفرقان في المتعينات و ضيق بجعله كل واحد من التعين، و وسع من حيث شموله للكل من حيث هو كل (ثم قال متمما للجواب- ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي به- فنفى أولا مشيرا إلى أنه ما هو ثمة ثم أوجب القول أدبا مع المستفهم، و لو لم يفعل كذلك لا تصف بعدم العلم بالحقائق و حاشاه من ذلك، فقال- إِلَّا ما أَمَرْتَنِي به- و أنت المتكلم على لسانى و أنت لسانى، فانظر إلى هذه التنبئة الروحية الإلهية ما ألطفها و أدقها) في قوله «ما أَمَرْتَنِي به» مع أنه عينه فأفرد الحق بتاء الكناية عن المخاطب، و حدد نفسه و ميزه من حيث مأموريته بتاء كناية المتكلم- أَنِ اعْبُدُوا الله- فجاء باسم الله لاختلاف العباد في العبادات و اختلاف الشرائع و لم يعين اسما خاصا دون اسم بل بالاسم الجامع للكل، ثم قال- رَبِّي وَ رَبَّكُمْ- و معلوم أن نسبته إلى موجود ما بالربوبية ليست عين نسبته إلى موجود آخر فلذلك فصل بقوله- رَبِّي وَ رَبَّكُمْ- بالكنايتين كناية المتكلم و كناية المخاطب- إِلَّا ما أَمَرْتَنِي به- فأثبت نفسه مأمورا و ليست) أي المأمورية (سوى عبوديته، إذ لا يؤمر إلا من يتصور منه الامتثال و إن لم يفعل. و لما كان الأمر ينزل بحكم المراتب لذلك ينصبغ كل من ظهر في مرتبة ما بما تعطيه حقيقة تلك المرتبة فمرتبة المأمور لها حكم يظهر في كل مأمور، و مرتبة الآمر لها حكم يبدو في كل أمر فيقول الحق- أَقِيمُوا الصَّلاةَ- فهو الآمر و المكلف المأمور، و يقول العبد- رَبِّ اغْفِرْ لِي- فهو الآمر و الحق المأمور، فما يطلب الحق من العبد بأمره، هو بعينه يطلب العبد من الحق بأمره يعنى بالإجابة (و لهذا كان كل دعاء مجابا، و لا بد إن تأخر كما يتأخر عن بعض المكلفين فمن أقيم مخاطبا بإقامة الصلاة فلا يصلى في وقت فيؤخر الامتثال و يصلى في وقت آخر،
__________________________________________________
(ما هو ثمة) إشارة إلى أن عيسى ليس هو موجودا في هذا المقام حتى يقول قولا بل الوجود كلمة الله (و حاشاه من ذلك) فلو لم يثبت الهوية الإلهية بعد ففي الهوية العيسوية لكان نفيا مطلقا و ليس الأمر كذلك، بل الأمر الإثبات بعد النفي أو النفي بعد الإثبات اه بالى.
فإن عبد الرحيم ليس بعبد القهار (فلذلك) أي فلكون نسبة الربوبية باختلاف المظاهر (فصل بقوله- رَبِّي وَ رَبَّكُمْ- اه بالى.