شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٧٥
الفاعل هو الرحيم و الراحم، و الحكم لا يتصف بالخلق لأنه أمر توحيه المعاني لذواتها) كما ذكر في الفص الأول من حكم الحياة و العلم على الحي و العالم (فالأحوال لا موجودة و لا معدومة، إذ لا عين لها في الوجود لأنها نسب، و لا معدومة في الحكم لأن الذي قام به العلم يسمى عالما و هو الحال، فعالم ذات موصوفة بالعلم ما هو عين الذات و لا عين العلم، و ما ثم إلا علم و ذات قام بها هذا العلم، فكونه عالما حال لهذه الذات باتصافها بهذا المعنى، فحدثت نسبة العلم إليه فهو المسمى عالما، و الرحمة على الحقيقة نسبة من الراحم و هي الموجبة للحكم فهي الراحمة) أي الجاعلة للذي نسب إليه راحما (و الذي أوجدها في المرحوم ما أوجدها ليرحمه بها) أي ليكون بها مرحوما (و إنما أوجدها ليرحم بها من قامت به) فيكون راحما (و هو سبحانه ليس بمحل للحوادث، فليس بمحل لإيجاد الرحمة و هو الراحم، و لا يكون الراحم راحما إلا بقيام الرحمة به فثبت أنه عين الرحمة، و من لم يذق هذا الأمر و لا كان له فيه قدم ما اجترأ أن يقول: إنه عين الرحمة أو عين الصفة، فقال: ما هو عين الصفة و لا غيرها فصفات الحق عنده لا هي هو و لا هي غيره، لأنه لا يقدر على نفيها و لا يقدر أن يجعلها عينه، فعدل إلى هذه العبارة) و هو الأشعرى (و هي عبارة حسنة و غيرها) أي غير هذه العبارة (أحق بالأمر منها) أي ما هو في نفس الأمر من هذه العبارة (و أرفع للإشكال و هو القول بنفي أعيان الصفات وجودا قائما بذات الموصوف، و إنما هي نسب و إضافات بين الموصوف بها و بين أعيانها المعقولة) و هو قول أكثر العلماء و المعتزلة (و إن كانت الرحمة جامعة فإنها بالنسبة إلى كل اسم إلهى مختلفة) كالرحمة بالرزق و العلم و الحفظ و أمثال ذلك من معانى الأسماء الإلهية (فلهذا يسأل سبحانه أن يرحم بكل اسم إلهى، فرحمة الله و الكناية) أي الضمير في قوله- وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ- (هي التي وسعت كل شيء، ثم لها شعب كثيرة تتعدد بتعدد الأسماء الإلهية، فما تعم بالنسبة إلى ذلك الاسم الخاص الإلهي في قول السائل: يا رب ارحم، و غير ذلك من الأسماء حتى المنتقم له أن يقول: يا منتقم ارحمني، و ذلك لأن هذه الأسماء تدل على الذات المسماة و تدل بحقائقها على معان مختلفة
__________________________________________________
(قوله لذواتها) أي من اتصف بها من الذوات، فالرحمة معنى من المعاني لأنها لا عين لها في الخارج توجب الحكم لذاتها الذي لا عين له في الخارج لذلك قال- رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ- وجودا و حكما، و لم يكتف بقوله وجودا و الأمور التي توجبها المعاني أحوال، فالحكم حال من الأحوال، فالأحوال لا موجودة اه بالى.
فصفات الحق موجود زائد على ذاته في العقل فإن لها حقائق معقولة ممتازة، و أما في الخارج فلا أعيان لها فلا وجود فكان وجودها في الخارج عين ذاته تعالى و التحق الحكماء و المعتزلة في هذه المسألة بأهل الحق اه بالى.
(يا منتقم ارحمني) أي ارفع عنى العذاب، فإذا قلت: يا الله أو يا رحمن ارحمني تريد الاتصاف بالكمالات اللائقة بك، فلا تعم الرحمة في قول السائل: يا رب ارحم بالنسبة إلى اسم الرب جميع أنواع الرحمة، بل يريد نوعا مخصوصا من الرحمة اه بالى.