شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٠١
الشاهد و المشهود حقا يحب الحق (و لهذا قال بعض من لم يعرف مقاله جهالة- ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى- مع تسميتهم إياهم آلهة) أي و لأن المعبود الخاص مجلى الحق لبصر هذا العابد المحجوب بتعين معبوده هو المجلى المختص، قال من لم يعرف مقاله و لغاية جهله- ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى- فإنهم أثبتوا وحدة الله المقرب إليه مع تسمية معبوداتهم آلهة، و لم يشعروا أنه إذا كان فيهم معنى الألوهية كانوا عين الله و حقيقته فما معنى التوسل بهم في التقريب؟ و لم يشعروا أن الوسيلة إلى الإله ليس بإله فكأنهم بالفطرة عرفوا معنى الألوهية فيهم و احتجبوا بالتعينات فوقفوا مع صورة الكثرة (كما قالوا- أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ- فما أنكروه بل تعجبوا من ذلك، فإنهم وقفوا مع كثرة الصور الإمكانية و نسبة الألوهية لها، فجاء الرسول و دعاهم إلى إله واحد يعرف و لا يشهد) أي ما أنكروا الإله بل تعجبوا من التوحيد لوقوفهم مع كثرة الصور الإمكانية و نسبة الألوهية لها، فاعترضهم الرسول و دعاهم إلى إله واحد يعرف من قولهم و لا يشهد (بشهادتهم أنهم أثبتوه عندهم و اعتقدوه في قولهم- ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى- فهو معروف عندهم غير مشهود (لعلمهم بأن تلك الصور) أي المشهودة (حجارة) ليست من الألوهية في شيء (و لذلك قامت الحجة عليهم بقوله- قُلْ سَمُّوهُمْ- فما يسمونهم إلا بما يعلمون أن تلك الأسماء لهم حقيقة) كحجر و خشب و كوكب و أمثالها.
(و أما العارفون بالأمر على ما هو عليه فيظهرون بصورة الإنكار لما عبد من الصور، لأن مرتبتهم في العلم تعطيهم أن يكونوا بحكم الوقت لأنهم علموا أن الوقت مجلى عظيم من مجالى الحق يتجلى في كل وقت ببعض صفاته، و لهذا كان الدهر اسما من أسمائه سبحانه قال عليه الصلاة و السلام «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر» فيغلب على الناس في كل وقت حكم الوصف الذي يتجلى به في ذلك الوقت و الرسول الذي بعث فيه هو المظهر الأعظم لكمال ذلك الوصف، فيدعو الخلق إلى الحق المتجلى فيه بطاعته طاعة الحق كقوله تعالى- من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله- فلذلك وجب الإيمان به و طاعته، فالعارفون هم الذين يعرفونه و يحبونه أحب من أنفسهم و يتبعونه حق الاتباع، فهم عباد الوقت لأن الوقت هو الدهر الحاضر الذي قال «إن الدهر هو الله» فهم في الحقيقة عباد الوقت الحق ينقلبون مع تجلياته في الأوقات التي هي أجزاء الدهر المستمر مطيعين له دائما بحكم أوامره و نواهيه
__________________________________________________
عرف: أي من كان في استعداده الفطري أن يعرف الأمر على ما هو عليه، و هو أن معبوده الخاص على الحقيقة مجلى للحق مقالة جهالة- ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا- و إنما كانت هذه المقالة جهالة لأنه جعل ما هو مجلى إلهى أمرا مقربا مع أن كونه مجلى إلهيا يقتضي العينية، و كونه مقربا يوجب الغيرية مع تسميتهم إياهم آلهة جامى عرفوه منهم أي من صور أصنامهم فعبادتهم الأصنام ليست إلا ما كان الأمر عليه فإنكارهم لا عن جهل بحقيقة الأمر بل مرتبتهم في العلم نعطيهم ذلك بالى.