شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٦٥
(فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص و تكفر ما سواه فيفوتك خير كثير، بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه) فإن الحق المتجلى في صورة المعتقدات يسع الكل و يقبلها جميعا، فإذا تقيدت بصورة مخصوصة فقد كفرت بما سواه و هو الحق المتجلى بتلك الصورة إذ لا شيء غيره، فإذا أنكرته فقد جهلته و أسأت الأدب معه و أنت لا تدري، فيفوتك الحق المتجلى في جميع الصور التي هي غير الصورة التي تقيدت بها في اعتقادك و هو خير كثير، بل يفوتك العلم بالحق على ما هو عليه و هو الخير الكثير (فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها، فإن الإله تبارك و تعالى أوسع و أعظم من أن يحصره عقد دون عقد، فإنه يقول- فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله- و ما ذكر أينا من أين، و ذكر أن ثمة وجه الله) إذا علمت أنه غير محصور في قيد و لا صورة يوجد بدونه في عقل و لا خارج، فانطلق عن أمر القيود و العقود، و أطلق الأمر في كل الموجود تحظ بالعلم الأتم في الشهود، فإن الله تعالى يقول- فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله- ما خص جهة دون جهة لوجهه، فلا أين إلا و قد تجلى فيه وجهه و تولى إلى وجهه فيه من تولى إليه (و وجه الشيء حقيقته، فنبه بهذا قلوب العارفين لئلا تشغلهم العوارض في الحياة الدنيا عن استحضار مثل هذا، فإنه لا يدرى العبد في أي نفس يقبض فقد يقبض في وقت غفلة، فلا يستوي مع من قبض على حضور) حرّض على الحضور مع الله و المراقبة في شهوده، و حذر عن التقيد و الالتفات إلى الغير و الاشتغال بما يشوش الوقت، حتى يعم شهود وجه الله جميع أحواله فيقبض في حال الشهود فيحشر مع الله، لا من غفل فيقبض على حال الغفلة فيحشر مع من تولاه، اللهم لا تحجبنا عن نور حمالك و لا تكلنا إلى أنفسنا بفضلك، و تولنا بولايتك عن مطالعة نوالك.
(ثم إن العبد الكامل مع علمه بهذا يلزمه في الصورة الظاهرة و الحال المقيد بوجه بالصلاة إلى شطر المسجد الحرام، و يعتقد أن الله في قبلته حال صلاته، و هي بعض مراتب الحق من- فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله- فشطر المسجد الحرام منها ففيه وجه الله، و لكن لا تقل هو هاهنا فقط، بل قف عند ما أدركت، و الزم الأدب في الاستقبال شطر المسجد الحرام، و الزم الأدب في عدم حصر الوجه في تلك الأينية الخاصة بل هي من جملة أينيات ما تولى متول إليها، فقد بان لك عن الله أنه في أينية كل وجه) يعنى أن الكامل مع علمه بلا تقيد الحق بجهة مخصوصة يلزمه بحكم حال التقيد بالتعلق البدني التوجه بالصلاة إلى جهة الكعبة، فإنه لا يمكنه التوجه حال التقيد إلى جميع الجهات، بل يختص توجهه بجهة واحدة، و تلك الجهة هي المأمور بالتوجه إليها من عند الله فتعينت و إلا ثبت العصيان، و الباقي ظاهر
__________________________________________________
مقيدة بل مطلقة يراه في كل صورة (فإياك أن تتقيد) فإنه غير محصور فيما قيدته به و كفرت بما سواه، بل هو شامل الكل ظاهر في الجميع من غير تقييد (فكن في نفسك هيولى) و اقبل كل صورة ترد عليك و اعتقد أنها بعض مجاليه و هو غير منحصر فيها، فإن الإله أوسع و أعظم اه جامى.