شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٦٤
ظهر بصورته، و شبه ظهور وجوده تعالى بظهور العالم بظهور حقيقة الإنسان بوجود صورته الطبيعية أي بدنه، ثم قال: فنحن، أي نحن مع جميع العالم صورة الحق الظاهرة، و هوية الحق روح هذه الصورة المدبرة لها، و الباقي ظاهر مما ذكر.
(ثم كان لأيوب ذلك الماء شرابا بإزالة ألم العطش الذي هو من النصب، و العذاب الذي به مسه الشيطان أي البعد عن الحقائق أن يدركها على ما هي عليه فيكون بإدراكها في محل القرب، فكل مشهود قريب من العين و لو كان بعيدا بالمسافة فإن البصر يتصل به من حيث شهوده، و لو لا ذلك لم يشهده أو يتصل المشهود بالبصر كيف كان، فهو قريب بين البصر و المبصر) سمى الشيطان شيطانا لبعده عن الحق و الحقائق، من شطن شطونا إذا بعد، و قيل من شاط إذا نفر فهو فيعال أو فعلان بمعنى المبالغة أي البعيدة في الغاية، و لهذا أطلق الشيخ رضى الله عنه تسميته بالمصدر للمبالغة، كقولهم: رجل عدل، و المراد الذي هو في غاية البعد عن إدراك الحقائق على ما هي عليه، و إذا كان كذلك فهو في غاية البعد عن الحق، لأن المدرك للحقائق على ما هي عليه يكون بإدراكها في محل القرب، ألا ترى أن المشهود قريب من العين و لو كان بعيد المسافة، لأن البصر يتصل به على مذهب خروج الشعاع، أو يتصل المشهود بالبصر على مذهب الانطباع، فإنه ليس هذا موضع تحقيقه، و كيف كان فالمشهود قريب بين البصر و المبصر، و إنما كان الشيطان لا يدركها على ما هي عليه لكونه على صورة الانحراف العيني، أي جبلت عينه على الانحراف و الميل عن العالم العقلي إلى العالم السفلى، و لهذا كان من الجن (و لهذا كنى أيوب في المس فأضافه إلى الشيطان مع قرب المس، فقال: البعيد منى قريب لحكمه فىّ) أي و لأن الشيطان بعيد عن محل القرب كنى في المس: أي أوقعه على كناية المتكلم مضافا إلى الشيطان فقال- أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ- أي خصنى البعيد بالمس الذي هو غاية القرب لحكمه فىّ بالضر الذي هو النصب و العذاب، شكى إلى الله من غلبة حجابية تعينه و إلا لم يكن للانحراف فيه حكم، فإن الشيطان الذي هو العين المنفردة بالانحراف و البعد، إنما حكم على نفسه بالانحراف عن الاعتدال لاحتجابه بتعينه عليه، فإن قرب البعيد منه إنما يكون لبعده و لهذا قال (و قد علمت أن القرب و البعد أمران إضافيان، فهما نسبتان لا وجود لهما في العين مع ثبوت أحكامهما في البعيد و القريب) فإنهما مع كونهما معدومين في الأعيان يحكمان على الموجودات العينية
__________________________________________________
و من حيث إمكانه و تحققه بالصفات الكونية عبد و خلق، و الله من حيث تحققه بالصفات اللائقة بشأنه حق، و من حيث وجوبه الذاتي خالق و موجد، فقد جرى اصطلاحهم على ذلك اه بالى.
و لهذا أي و لأجل كون الشهود قربا للبصر و هو الحجاب الذي يمس عين قلبه، فالشيطان يقرب منه بسبب هذا المعنى، فطلب من الله إزالة الحجاب عنه خوفا عن تصرف الشيطان فيه اه بالى.
و لما ذكر أن للبعد و قربه من أيوب حكما و أثر فيه كان محلا لأن يقال البعد و القرب أمران اعتباريان لا وجود لهما في الخارج، فكيف يكون لهما أثر و حكم في الموجودات الخارجية، دفع ذلك بقوله: و قد علمت أن القرب و البعد أمران إضافيان اه بالى.