شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٣٦
من الأمر الذي له صورة معينه في نفسه فظهر صورة أخرى غيرها من عالم الخيال (فيجوز العابر من هذه الصور التي أبصرها النائم إلى صورة ما هو الأمر عليه إن أصاب، كظهور العلم في صورة اللبن فعبر في التأويل من صورة اللبن إلى صورة العلم فتأول، أي قال:
مآل هذه الصورة اللبنية إلى صورة العلم) و ذلك أن اللبن أول غذاء البدن، فتمثل أول غذاء الروح و هو العلم النافع الفطري بصورته، كما ذكر للمناسبة بينهما.
(ثم إنه صلى الله عليه و سلم كان إذا أوحى إليه أخذ عن المحسوسات المعتادة فسجى و غاب عن الحاضرين عنه، فإذا سرى عنه رد، فما أدركه إلا في حضرة الخيال إلا أنه لا يسمى نائما، و كذلك إذا تمثل له الملك رجلا فذلك من حضرة الخيال، فإنه ليس برجل و إنما هو ملك، فدخل في صورة إنسان فعبره الناظر العارف حتى وصل إلى صورته بالحقيقة، فقال «هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم» و قد قال لهم «ردوا علىّ الرجل» فسماه رجلا من أجل الصورة التي ظهر لهم فيها، ثم قال «هذا جبريل» فاعتبر الصورة التي مآل هذا الرجل المتخيل إليها، فهو صادق في المقالتين صدق العين) أي عين الرجل (في العين الحسية و صدق في أن هذا جبريل، فإنه جبريل بلا شك) كله ظاهر.
(و قال يوسف عليه و السلام- إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ- فرأى إخوته في صورة الكواكب، و رأى أباه و خالته في صورة الشمس و القمر، هذا من جهة يوسف، و لو كان من جهة المرئي لكان ظهور إخوته في صورة الكواكب، و ظهور أبيه و خالته في صورة الشمس، و القمر مرادا لهم، فلما لم يكن لهم علم بما رآه كان الإدراك من يوسف في خزانة خياله، و علم ذلك يعقوب حين قصها عليه فقال- يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً- ثم برأ أبناءه عن ذلك الكيد و ألحقه بالشيطان، و ليس إلا عين الكيد فقال- إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ- أي ظاهر العداوة) و علم يعقوب أن ذلك اختصاص من عند الله ليوسف و اجتباء له من بين إخوته، و أن اقتصاصها عليهم يوجب حسدهم عليه و قصدهم إياه بالسوء فنهاه عن ذلك، و إنما نسب الكيد إلى الشيطان و برأ أبناءه عنه مكرا ليوسف و كيدا له في تزكيته عن سوء الظن بهم، و تربيته و ترشيحه للنبوة التي يغرسها فيه، فإن النبوة لا بد لها من
__________________________________________________
(من جهة يوسف) فقط لا من جهة المرئي، و إلا لكان لهم علم بما رآه يوسف و لم يكن لهم علم اه (من يوسف في خزانة خياله) لا من المرئي، فإن إدراك ما في خزانة الخيال قد يكون من الرائي و المرئي معا كظهور جبرئيل للنبي، فإن الإدراك واقع منهما، بخلاف يوسف مع إخوته (و علم ذلك يعقوب) أي عدم علمهم بما رآه يوسف (حين قص) الرؤيا على يعقوب اه بالى.
(ثم برأ و ألحقه بالشيطان) أي بعد إسناد ذلك الكيد لبغيه أسنده إلى الشيطان (و ليس إلا عين الكيد) من يعقوب مع يوسف لئلا تبقى عداوة إخوته في قلبه مع بقاء الاحتراز اه فلم يعلم تأويل رؤياه إلا بعد وجودها