شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٢٨
النفس فلا يعرف حقيقته الذاتي في تعين ساغ، و إن قلنا: إن الحق المتعين بتعين النفس:
أي الهوية المتعينة بتعينها يعرف بمعرفة تعين النفس ساغ. و أما معرفة أكمل أفراد الإنسان المتعين بالتعين الأول و هو محمد صلى الله عليه و سلم من نفسه فهو أتم المعارف، أما من حيث عينه فلأن العين المحمدية من حيث كونها متعينة بالبرزخية الجامعة الكبرى فهو عين الذات الأحدية من حيث كونها متعينة بالتعين الأول، و أما من حيث صورته فلأن الصورة المحمدية جامعة للحضرة الأحدية الذاتية و الواحدية الأسمائية و جميع المراتب الإمكانية من الروح و القلب و النفس و الخيال و الجسم، فكذلك الحضرة الإلهية هي الذات مع جميع الأسماء و صورها من أعيان العالم و فواعله و قوابله من أم الكتاب هو الروح الكلى الشامل لجميع الأرواح، و اللوح المحفوظ الذي هو القلب الكلى الشامل لجميع القلوب، و عالم المثال و الجسم المطلق الشامل لجميع أجسام العالم فهو أتم دليل و أوضحه على ربه لكونه أكمل المظاهر الكمالية الإلهية، و قوله، فإن كل جزء من العالم دليل على أصله الذي هو ربه: معناه أن كل جزء له عين، و لذات الحق تعالى نسبة إلى عينه بتجليه في صورتها خاصة ليست تلك النسبة لغيره، فللذات مع تلك النسبة عينها اسم خاص للَّه يرب به ذلك الجزء فذلك الاسم ربه الخاص، فجميع أجزاء العالم بمجموعها دليل على أصل العالم الذي هو الرب المطلق رب الأرباب، و جميع أجزاء العالم فهو الدليل الأتم على ربه بل على نفسه إجمالا و تفصيلا فافهم.
(و إنما حبب إليه النساء فحن إليهن لأنه من باب حنين الكل إلى جزئه) لأن كلية الكل إنما تكون بجزئية الجزء فلا يكون الكل كلا حتى يكون الجزء جزءا فهو حنين الشيء إلى نفسه باعتبارين و حيثيتين، فإن الجزء باعتبار الحقيقة عين الكل و باعتبار التعين غيره و الشيء لا يحب إلا نفسه كما مر، فإن الحب في الوجود حقيقة واحدة و لا يحن و لا يشتاق إلا مع بينونة و احتجاب فيحن الكل في الجزء إلى نفسه باعتبار جزئيته للبينونة الواقعة بتعين الجزء، و في الكل إلى نفسه باعتبار جزئيته للبينونة الواقعة بتعين الكل من حيث هو كل، و لو لا ذلك الافتراق بالاثنينية لما كان الكل كلا و لا الجزء جزءا فخلص الحب و لذته من الحنين و ألمه (فأبان بذلك عن الأمر في نفسه من جانب الحق في قوله في هذه النشأة العنصرية الإنسانية- وَ نَفَخْتُ فِيهِ من رُوحِي- ثم وصف نفسه بشدة الشوق إلى لقائه للمشتاقين فقال- يا داود إنى أشد شوقا إليهم- يعنى للمشتاقين إليه و هو لقاء خاص فإنه قال في حديث الدجال «إن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت» فلا بد من الشوق لمن هذه صفته)
__________________________________________________
فحن الحق إلينا حنين الكل إلى جزئه فنحن إليه حنين الجزء إلى كله و الفرع إلى أصله، فأبان عليه الصلاة و السلام هذا المعنى بحنينه إلى النساء بالحديث، فإن الأمر كذلك بين الحق و عباده بالى.