شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٤٦
داود أن أعطاه اسما ليس فيه حرف من حروف الاتصال، فقطعه عن العالم بذلك إخبارا لنا عنه بمجرد هذا الاسم، و هي الدال و الألف و الواو) أي أخبره كشفا أنه قطعه عن العالم من حيث كونه غيرا و سوى، و أخبرنا إيماء و رمزا بهذا الاسم بظهور معنى القطع فيه، فإن الألقاب تنزل من السماء (و سمى محمدا صلى الله عليه و سلم بحروف الاتصال و الانفصال فوصله به و فصله عن العالم، فجمع له بين الحالتين في اسمه كما جمع لداود بين الحالين من طريق المعنى) و هو اختصاصه بالجمع بين النبوة و الرسالة و الخلافة و الملك و العلم و الحكمة و الفصل بلا واسطة غيره (و لم يجعل ذلك في اسمه فكان ذلك اختصاصا لمحمد على داود عليهم الصلاة و السلام: أعنى التنبيه عليه باسمه، فتم له الأمر عليه السلام من جميع جهاته، و كذلك في اسمه أحمد فهذا من حكمة الله) أي اختصاصهما بالاسمين الدالين بحروفهما على ما ذكر من المعنيين فيهما من حكمة الله التي في تسميتهما لمن عقل عن الله و لم يعقل شيئا من الأشياء إلا شاهد حكمة الله المودعة فيه (ثم قال في حق داود فيما أعطاه على طريق الإنعام عليه ترجيع الجبال و الطير معه التسبيح فتسبح بتسبيحه ليكون له عملها و كذلك الطير) في الإنعام عليه بترجيع الجبال و الطير معه و التسبيح إيماء إلى حكمة ترجيعهما بكون عملهما له، و هي أن الجبال تحكي بصورها رسوب الأعضاء و التمكن و الثبات التي هي مخصوصة بالكمل في ظواهرهم، و الطير تحكي بطيرانها حركة القوى الروحانية فيه و في كل عبد كامل إلى تحصيل مطالبها عند تسبيح الكامل بما يخصه من تنزيه الله عن النقص و براءته عن صفات الإمكان و حكامه و الاتصاف بصفات الوجود و أحكامه، و لما كان داود من كمال توجهه و تجرده و انقطاعه إلى الله بالمحبة الذاتية، و الهيمان و العشق و إيثار جنابه على نفسه و ما يتعلق به تبعته ظواهره و بواطنه و جوارحه و قواه كلها أظهر الله تعالى سر انخراط أعضائه و قواه الروحانية في التنزيه و التقديس في صور الجبال و الطير متمثلة له فرجعت معه التسبيح، لأن الغالب في زمانه تجلى الاسم الظاهر على الباطن لما بقي من حكم الدعوة الموسوية إلى الاسم الظاهر، فكانت الحقائق و المعاني مظهر صور قائمة لهم لما أهله و خصه به من كمال ظهور الوجود (و أعطاه القوة و نعته بها) في قوله- وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ- أي القوة- (و أعطاه الحكمة) أي سياسة الخلق و تدبير الملك بوضع الأشياء مواضعها، و توجيه الأكوان إلى غاياتها بالتأييد الإلهي و الأمر الشرعي- وَ فَصْلَ الْخِطابِ- أي الإفصاح عن حقائق الأمور على ما هي عليه، و فصل الأحكام و قطع القضايا باليقين من غير شك و ارتياب و لا توقف فيها (ثم المنة الكبرى و المكانة الزلفى التي خصه الله بها التنصيص على خلافته و لم يفعل ذلك مع أحد من أبناء جنسه) و في نسخة بأحد، و هو أفصح من اتحادهما في المعنى (و إن كان فيهم خلفاء