شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٧٨
تشبيها شهوديا كشفيا (و رأى سريان الحق بالوجود في الصور الطبيعية و العنصرية، و ما بقيت له صورة إلا و يرى عين الحق عينها، و هذه هي المعرفة التامة الكاملة التي جاءت بها الشرائع المنزلة من عند الله، و حكمت أيضا بهذه المعرفة الأوهام كلها) لأن الوهم يستشرف ما وراء موجبات الأفكار و لا ينفعل عن القوة العقلية من حيث تقييدها انفعالا يخرج عن الإطلاق، فيجيز الحكم على المطلق بالتقييد مرة و يحكم بالعكس أخرى، و لا يحيل ذلك و بحكم بالشاهد على الغائب تارة و بالعكس أخرى، و هذا في جميع من له قوة الوهم من المقلدين و المؤمنين.
(و لهذا كانت الأوهام أقوى سلطانا في هذه النشأة الإنسانية من العقول، لأن العاقل و إن بلغ من عقله ما بلغ لم يخل عن حكم الوهم عليه و التصور فيما عقل، فالوهم هو السلطان الأعظم في هذه النشأة الصورية الكاملة الإنسانية. و به جاءت الشرائع المنزلة فشبهت و نزهت شهت في التنزيه بالوهم و نزهت في التشبيه بالعقل فارتبط الكل بالكل، فلا يمكن أن يخلو تنزيه عن تشبيه و لا تشبيه عن تنزيه، قال الله تعالى- لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ- فنزه و شبه) أي نزه في عين التشبيه حيث نفى عن كل شيء مماثلة في مثليته و هو عين التشبيه. لأنه إثبات المثل. و لما نفى عن كل شيء مماثلة المثل نزه الحق أن يكون مثلا له لأنه شيء من الأشياء فلا يماثل ذلك المثل، و إذا لم يكن مثل مثله فبالأحرى أن يكون ذلك المثل ليس مثلا له و ذلك في غاية التنزيه، فهو تشبيه في تنزيه و تنزيه في تشبيه- وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ- فشبه) أي في عين التنزيه لأنه أثبت له السمعية و البصرية اللتين هما صفتان ثابتتان للعبد و هو محض التشبيه، لكنه خصصهما بالصيغة التركيبية المفيدة للحصر حيث حمل الصفتين المعرفتين بلام الجنس على ضميره، فأفاد أنه هو السميع وحده لا سميع غيره، و هو البصير وحده لا بصير غيره و هو عين التنزيه، فتأمل (و هي أعظم آية نزلت في التنزيه، و مع ذلك لم تخل عن تشبيه بالكاف، فهو أعلم
__________________________________________________
(إلا و يرى الحق عينها) عين من وجه، و معنى سريان الحق في الصور ظهور آثار أسمائه و صفاته فيها.
و لو لم يكن الصورة مع الحق جهة الاتحاد و العينية في وجه خاص لم يكن العالم دليلا على وجوده و وجوبه و وحدانيته فكان إلياس مع هذا الوجه آنس الإنسان، فسريان الحق في الصور عند أهل الحقيقة كإحاطة الحق بالأشياء عند علماء الرسوم في أن المراد من كل واحد منهما معنى واحد، و كون الحق عين الأشياء عند أهل الله كاتحاد الحق مع الأشياء في بعض الأمور الكلية عند أهل الظاهر، و لا مخالفة بينهما إلا في العبارة لا في المعنى اه بالى.
(قوله و يرى الحق عينها) من حيث اتحاد الظاهر بالظاهر و التصور فيما عقل فإذا حكم العقل بالتنزيه في موضع فقد حكم الوهم بالتشبيه في ذلك الموضع لشهوده سريان الحق في الصور الذهنية و الخارجية، فشاهد الحق في صورة التنزيه الذي حصل في العقل، و يرى أن إثبات التنزيه له تحديد، و التحديد عين التشبيه، و لا شعور للعقل أن تنزيهه صورة من الصور التي يجب تنزيه الحق عنها عنده فحكم على العقل و على إدراكه بالى.
(عن صفة يظهر فيها) إذ لا بد لظهور الحق من صفة، و ثبوت تلك الصفة له عين التشبيه، على أن كونه في كنزه ظهوره بصفة الخفاء و العماء، و تنزيه الشرع إنما هو بمقتضى العقول لا لكون الأمر في نفسه كذلك، لذلك نزه عن تنزيه العقول بقوله- سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ- اه بالى.