شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٩٧
النور، و كانت علومه قرآنية. و لما كان التجلي الإلهي في حق موسى في صورة القهر و السلطنة و الجلال سلط النار على صورة العجل الذي جعله السامري إلها لمن عبدها حتى أحرقته و فرقها و برد أجزاءها، كما أن التجلي الإلهي يحرق كل من تجلى له، فإن المحدث لا يبقى عند ظهور القديم بل يضمحل و يتلاشى، فأراهم في نسف رماد العجل و حراقته صورة فناء المحدث عند تجلى الرب القديم، و في إحراقه صورة إحراق سبحات وجهه تعالى حتى ما انتهى إليه بصره من خلقه.
(و أما الحيوان فذو إرادة و غرض، فقد يقع منه الإباءة في بعض التصريف، فإن كان فيه قوة إظهار ذلك ظهر منه الجموح لما يريده منه الإنسان و إن لم يكن له هذه القوة أو صادف غرض الحيوان) أي وجد عند المسخر الذي يريد تسخيره في أمر حيوانى غرضا من أغراض الحيوان كمأكول أو مشروب أو ما يتوسل به إليه من أجرة (انقاد مذللا لما يريده منه كما ينقاد مثله لأمر فيما رفعه الله به من أجل المال الذي يرجوه منه المعبر عنه في بعض الأحوال بالآخرة، في قوله- وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ليتخذ بعضهم بعضا سخريا فما يسخر له من هو مثله إلا من حيوانيته لا من إنسانيته فإن المثلين ضدان) من حيث أنهما لا يجتمعان (فيسخره الأرفع في المنزلة بالمال أو بالجاه بإنسانيته، و يتسخر له ذلك الآخر إما خوفا أو طمعا من حيوانيته لا من إنسانيته فما تسخر له من هو مثله ألا ترى ما بين البهائم من التحريش لأنها أمثال فالمثلان ضدان، فلذلك قال- وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ- فما هو معه في درجته فوقع التسخير من أجل الدرجات. و التسخير على قسمين: تسخير مراد للمسخر اسم فاعل قاهر في تسخيره لهذا الشخص المسخر، كتسخير السيد لعبده و إن كان مثله في الإنسانية، و كتسخير السلطان لرعاياه و إن كانوا أمثالا له في الإنسانية فسخرهم بالدرجة. و القسم الآخر تسخير بالحال، كتسخير الرعايا للملك القائم بأمرهم في الذب عنهم و حمايتهم و قتال من عاداهم و حفظ أموالهم و أنفسهم عليهم، و هذا كله تسخير بالحال من الرعايا يسخرون في ذلك مليكهم و يسمى على الحقيقة تسخير المرتبة فالمرتبة حكمت عليه بذلك، فمن الملوك من سعى لنفسه، و منهم من عرف الأمر فعلم أنه بالمرتبة في تسخير
رعاياه فعلم قدرهم و حقهم، فآجره الله على ذلك أجر العلماء بالأمر على ما هو عليه، و أجر مثل هذا يكون على الله في كون الله في شئون عباده، فالعالم كله يسخر بالحال من لا يمكن أن يطلق عليه أنه مسخر، قال تعالى- كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ-) و الظاهر أن تسخير موسى لقومه كان بمرتبة النبوة، و لهذا كان يعلم حقهم و يراعيهم رعاية الراعي لغنمه،
__________________________________________________
و إنما لا يتسخر من إنسانيته لأن المثلين ضدان، و الضدان متساويان في الدرجة لا يجتمعان ليس بينهما جهة جامعة من هذا الوجه فلا ينقاد الإنسان لمن هو مثله من جهة الإنسانية بالى.