شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٥
بوصف شهد نفسه بذلك الوصف، فإن ذلك الوصف وصفه تجلى به لنا بحسب استعدادنا و إلا من أين حصل لنا ذلك و نحن عدم محض، و من ثمة يعلم أن وجودنا وجوده تعين بصورتنا و انتسب إلينا فتقيد و تذكر صمديته لكل شيء حتى تراه في كل شيء- أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ- و لما بين هذا الاتحاد أراد أن يبين الفرق بين الحق و الخلق فمثل بتعدد أشخاص النوع و أنواع الجنس، فقال: و لا شك أنا أي المحدثات كثيرون بالشخص كأشخاص الإنسان مع اتحادهم في حقيقة الإنسان من حيث هو إنسان، فإنه حقيقة واحدة، و بالنوع كالإنسان و الفرس المتحدين في حقيقة الحيوان، التي هي حقيقة واحدة و بالجملة أشخاص الموجودات المحدثة و الموجودات المتعينة فإنها متميزة متعينة متشخصة و متنوعة مع اتحادها في حقيقة الوجود، و لو لا ذلك لما كان الكثرة في الواحد، فكذلك، و إن وصفنا الحق بما وصف به نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق و ليس إلا افتقارنا إليه و غناه عنا، فإن الوجود المشخص مطلق الوجود مع قيد، فذلك القيد
الذي هو به غير المقيد الآخر، و هو افتقار المقيد إلى المطلق و غنى المطلق عن المقيد (فبهذا صح له الأزل و القدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم فلا تنسب إليه مع كونه الأول) أي فبالغنى الذاتي الصمدى القيومى لكل ممكن و كونه سند مقوم لكل مقيد صح له الأزل و القدم، و انتفت عنه الأولية بمعنى افتتاح الوجود عن العدم، فإنه محال في حقه مع كونه الأول (و لهذا قيل فيه الآخر) أي و لأن أوليته بالغنى الذاتي و عدم الاحتياج في وجوده إلى الغير قيل فيه الآخر، لا بمعنى أنه آخر كل ممكن إذ الممكنات غير متناهية فلا آخر لها (فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد لأنه لا آخر للممكن لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها، و إنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا فهو الآخر في عين أوليته و الأول في عين آخريته) أي فلو كانت أوليته بأن يكون وجودا مقيدا واحدا من الموجودات المقيدة فابتدأ منه المقيدات لزم أن يكون آخريته
__________________________________________________
(مع كونه الأول) بمعنى مبدأ كل شيء، فما تنسب إليه الآخرية بمعنى منتهى كل شيء و مرجعه (و لهذا) أي و لأجل انتفاء الأولية عنه بالمعنى المذكور (قيل فيه الآخر) فلم يكن له الأولية بهذا المعنى وجود التقييد أي افتتاح الوجود من العدم (لم يصح أن يكون آخرا للمقيد) أي الممكن بمعنى رجوع الكل إليه لأنه حينئذ يكون من الممكنات، و الممكن لا يرجع إليه شيء فكانت آخريته حينئذ بمعنى الانتهاء و الانقطاع، و هذا لا يصح أيضا (لأنه لا آخر للممكن لأن الممكنات غير متناهية) أي غير منعدم لانتفاء عينه بحيث؟ تفوته تعالى فلا فقدان في حقه كما ذكر في الفص اليونسية، فلا ينافيه الانتهاء بحسب الدار الدنيا فإذا كانت غير متناهية (فلا آخر لها) فكان الحق آخرا و منتهى لها فإذا كان الرجوع إليه بالنسبة إلينا فكنا نحن نتصف بالرجوع إليه تعالى في كل آن بحسب- كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ- و إذا كان الأمر كذلك (فهو الآخر في عين أوليته و الأول في عين آخريته) بحيث لا يتقدم أحدهما على الآخر في الرتبة، فهو الآخر حيث أول إذ رجوع الكل ثابت فيه، و هو الأول حيث آخر إذ مبدئيته للكل ثابت فيه، فكأن أوليته عين آخريته