شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٤٢
وَ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً- و قد ذكر تسخير الرياح و النجوم و غير ذلك، و لكن لا عن أمرنا بل عن أمر الله فما اختص سليمان إن عقلت إلا بالأمر من غير جمعية و لا همة بل بمجرد الأمر، و إنما قلنا ذلك لأنا نعرف أن أجرام العالم تنفعل لهمم النفوس إذا أقيمت في مقام الجمعية، و قد عاينا ذلك في هذا الطريق، فكان من سليمان مجرد التلفظ بالأمر لمن أراد تسخيره من غير همة و لا جمعية) يعنى أن التسخير المختص بسليمان هو التسخير بمجرد أمره لا بالهمة و الجمعية و تسليط الوهم، و لا بالأقسام العظام و أسماء الله الكرام، و الظاهر أنه كان له أولا بأسماء الله و الكلمات التامات و الأقسام، ثم تمرن حتى بلغ الغاية و انقادت له الخلائق و أطاعه الجن و الإنس و الطير و الوحش و غيرها بمجرد الأمر و التلفظ بما يريد بها من غير جمعية و لا تسليط و هم و همة عطاء من الله تعالى و هبة و كان أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، و يحتمل أن يكون ذلك اختصاصا له من الله بذلك ابتلاء.
(و اعلم أيدنا الله و إياك بروح منه أن مثل هذا العطاء إذا حصل للعبد أي عبد كان فإنه لا ينقصه ذلك من ملك آخرته و لا يحسب عليه مع كون سليمان عليه السلام طلبه من ربه تعالى فيقتضى ذوق الطريق) و في نسخة ذوق التحقيق (أن يكون قد عجل له ما ادخر لغيره و يحاسب به إذا أراده في الآخرة، فقال الله له- هذا عَطاؤُنا- و لم يقل لك و لا لغيرك- فَامْنُنْ- أي أعط- أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ- فعلمنا من ذوق الطريق أن سؤاله عليه السلام ذلك كان عن أمر ربه، و الطلب إذا كان عن الأمر الإلهي كان الطالب له الأجر التام على طلبه) لكونه مطيعا لربه في ذلك ممتثلا لأمره (و الباري تعالى إن شاء قضى حاجته فيما طلب منه و إن شاء أمسك، فإن العبد قد وفى ما أوجب الله عليه من امتثال أمره فيما سأل ربه فيه، فلو سأل ذلك من نفسه عن غير أمر ربه له بذلك لحاسبه به و هذا سار في جميع ما يسأل فيه الله تعالى كما قال لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم- وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً- فامتثل أمر ربه فكان يطلب الزيادة من العلم حتى كان إذا سيق له لبن يتأوله علما، كما تأول رؤياه لما رأى في النوم أنه أتى بقدح لبن فشربه و أعطى فضله عمر بن الخطاب، قالوا فما أولته؟ قال العلم، و كذلك لما أسرى به أتاه الملك بإناء فيه لبن و إناء فيه خمر فشرب اللبن فقال له الملك أصبت الفطرة أصاب الله بك أمتك، فاللبن متى ظهر فهو صورة العلم فهو العلم تمثل في صورة
__________________________________________________
قوله (و قد عاينا) أي و قد ظهر لنا (ذلك) أي انفعال الأجرام بهمم النفوس حين أقامهم في مقام الجمعية، فكان الريح و النجوم مسخرا لنا بأمر الله بجمعيتنا و همتنا (في هذا الطريق) أي طريق أهل الله أو طريق الجمع اه بالى.
قوله (طلبه من ربه) لكن عن أمر ربه، فكيف ينقص درجته و يحسب عليه في الآخرة، تعريض لمن زعم أنه اختار الدنيا و طلب ما طلب فينقص من ملك آخرته و يحسب عليه، فيقتضى ذوق الطريق أي طريق سوق الآية الكريمة في حق سليمان، أو طريق الكشف، أو طريق التصوف، أو طريق الحق، و هي صراط مستقيم و هذه أحسن الوجوه اه بالى.