شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٨٦
(و ما أحسن ما قال الله تعالى في حق العالم و تبدله مع الأنفاس في خلق جديد في عين واحدة، فقال في حق طائفة بل أكثر العالم- بَلْ هُمْ في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ- فلا يعرفون تجديد الأمر على الأنفاس) الطائفة المقول في حقهم هذا هم أهل النظر و تبدل العالم مع الأنفاس و كونه على الأنفاس في خلق جديد، مع أن العين الواحدة التي هي حقيقة الحق بحالها هو أن العالم بمجموعه متغير أبدا، و كل متغير يتبدل بعينه مع الآنات فيكون في كل آن متعينا غير المتعين الذي هو في الآن الآخر مع أن العين الواحدة التي يطرأ عليها هذه التغيرات بحالها، فالعين الواحدة هي حقيقة الحق المتعينة بالتعين الأول، و مجموع الصور أعراض طارئة مبتدأة متبدلة في كل آن و هم لا يعرفون حقيقة ذلك، فهم في لبس من هذا التجدد الدائم في الكل، فالحق مشهود دائما في هذه التجليات المتعاقبة، و العالم مفقود أبدا لفنائه في كل طرفة و حدوثه في صورة أخرى (لكن عثرت عليه الأشاعرة في بعض الموجودات و هي الأعراض و عثرت عليه الحسبانية في العالم كله و جهلهم أهل النظر بأجمعهم و لكن أخطأ الفريقان أما خطأ الحسبانية فبكونهم ما عثروا مع قولهم بالتبدل في العالم بأسره على أحدية عين الجوهر المعقول الذي قبل هذه الصورة و لا
يوجد إلا بها كما لا تعقل إلا به، فلو قالوا بذلك فازوا بدرجة التحقيق في الأمر، و أما الأشاعرة فما علموا أن العالم كله مجموع أعراض فهو يتبدل في كل زمان، إذ العرض لا يبقى زمانين) الحسبانية: السوفسطائية، و مذهبهم أن العالم يتبدل مع الآنات، لكنهم ما أثبتوا الحقيقة الأحدية التي هي وجه الحق بالحقيقة و هي التي تتبدل عليها صور العالم، فغابوا عن الحق و تجلياته الغير المتناهية، و الحقيقة مع التعين الأول اللازم للعلم بذاته، هي عين الجوهر المعقول الذي قبل هذه الصورة المسماة عالما، و هو المسمى بالعقل الأول و أم الكتاب، و هو روح العالم فلا يوجد العالم إلا به، و تأنيث الضمير و تذكيره في بها و به باعتبار العين و الجوهر، و بالحقيقة هي المرآة الأولى التي ظهر وجه الحق فيها، و لو لا ذات الحق لما وجدت، و لكن لما كان هذا الجوهر معقولا غير مشهود إلا لمن غيبه شهادة، كان الحق مشهودا في العالم و هو كالمرآة الثانية في التحقيق و المرآة الأولى بالنسبة إلى أهل البصر، كما أن روحه هي المرآة الأولى لأهل البصيرة، و كما لا توجد صور العالم إلا بذلك الجوهر فكذلك لا يعقل إلا به لأنه العاقل و المعقول، فلو عرفت الحسبانية تلك الحقيقة لفازوا بدرجة التحقيق في معرفته و أما الأشاعرة فلم يعرفوا حقيقة العالم، و أن العالم ليس إلا مجموع هذه الصور التي يسمونها أعراضا، و أثبتوا جواهر ليست
__________________________________________________
و لما فرغ من بيان تقلبات القلب و أحواله شرع في تبدلات معالم لكونه نوعا من التقلب فقال (و ما أحسن ما قال الله) اه بالى.
أي على تجديد الخلق و تبدل العالم الأشاعرة، فإنهم قالوا: العرض لا يبقى زمانين، و جهلهم أهل النظر من التجهيل: أي الحسبانية مع أنهم علموا الأمر في ذلك على ما هو عليه اه بالى. فخطأ الحسبانية في أمر واحد و الأشاعرة في أمرين اه بالى.