شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٨٩
و لما كانت الإرادة لا تتعلق إلا بالإيجاد أي بمعدوم يريد إيجاده لأن تأثير الأسماء الإلهية إنما هو في المعدومات لإيجادها لقوله- إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ- و المشيئة من حيث كونها عين الذات و لا بد لكل اسم من الذات كانت عين الذات من وجه و أعم منها من وجه لأنها قد تتعلق بالإعدام أي بوجود يريد إعدامه كقوله- إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ- فقال مشيئته إرادته، أي هما متحدان في التعلق بالفعل و الإيجاد فقولوا بهذه المشيئة، أي المقتضية للإيجاد التي هي عين الإرادة قد شاء الإرادة، فهي: أي فالإرادة هي مفعول المشيئة فالمشاء اسم مفعول بمعنى المراد، و أصله على قياس اللغة المشيء لكنه غير مستعمل.
(يريد زيادة و يريد نقصا و ليس مشاؤه إلا المشاء)
المشاء بفتح الميم هنا مصدر ميمى أي المشيئة كما كانت عين الذات، و لم يثبت لها اسما كالإرادة و ليست إلا العناية لم تقتض لوجود، فقد تتعلق بإرادة الزيادة و هي الإيجاد، و قد تتعلق بالنقص و هي الإعدام، و ليست المشيئة في القسمين إلا المشيئة، بخلاف الإرادة فإنها لم تتعلق في القرآن إلا بالإيجاد، و لهذا قال بالفرق بينهما من وجه و باتحادهما من وجه في قوله:
(فهذا الفرق بينهما فحقق و من وجه فعينهما سواء)
قال الله تعالى- وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ- و قال- وَ من يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً- فلقمان بالنص هو ذو الخبر الكثير بشهادة الله تعالى له بذلك، و الحكمة قد تكون متلفظا بها، و قد تكون مسكوتا عنها) أي حيث يكون الحال يقتضي النطق فالحكمة متلفظ بها، فإن النطق في موضعه حكمة، و من حيث يقتضي الحال السكوت، فالحكمة مسكوت عنها لأن السكوت في موضعه حكمة، كما سكت لقمان عن سؤال داود حين رآه صنع الدرع، فأراد أن يسأل ما هو فسكت و لم يسأل حتى أتمه فلبس، فقال: نعم لبوس الحرب هذا، فقال لقمان: نعم الخلق الصبر، فقال داود: الصمت حكمة، و قيل إنه قال لأجل هذا سمى حكيما، فمثل هذا السكوت ينبئ عن التؤدة و انتفاء الاستعجال الطبيعي (مثل قول لقمان لابنه- يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أَوْ في السَّماواتِ أَوْ في الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الله- فهذه حكمة منطوق بها، و هو أن جعل الله هو الآتي بها و قرر ذلك الله في كتابه و لم يرد هذا القول على قائله، و أما الحكمة المسكوت عنها
__________________________________________________
(و ليس مشاؤه إلا المشاء)
أي لا تتعلق مشيئته بزيادة شيء و نقصه بل هي العناية الإلهية المتعلقة بإيجاد المشاء من غير تعرض إلى الزيادة و النقصان بالى.
(و لم يرد هذا القول على قائله) مع أن الإتيان يضاف إلى العبد أيضا، و لم يقل الحق ليس الأمر كما قلت فدل ذلك على أن كل آتى الحبة؟ عين الحق من جهة الحقيقة بالى.