شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٠
تسلط بوسوسة، و النفساني هو الذي احترز منه بقوله (في الروع النفسي) إذ الروع هو القلب الخائف و لا يكون الخوف إلا في الجهة التي تلى النفس منه و هو المسماة بالصدر، فنسبه إلى النفس طلبا لأن يبلغ الإلقاء أو النفث ذلك الوجه الذي يليها فينور و يشغله بالمعنى الغيبى و يتأثر منه النفس فلا تؤثر فيه بالوسوسة إذ لا تكون في حالة التأثر مؤثرة و لذلك قيد التخصيص بالإلقاء (بالتأييد الاعتصامى) فإنه لو لا تأييده تعالى و توفيقه للاعتصام لاستولت النفس عليه فصارت مؤثرة فيه لا متأثرة (حتى أكون مترجما لا متحكما ليتحقق من يقف عليه من أهل الله أصحاب القلوب أنه من مقام التقديس) أي الحضرة الأحدية و الروحية المقدسة (المنزه عن الأغراض النفسية التي يدخلها التلبيس) أي الأغراض الدنيوية التي يمكن أن تلبس بإظهار أنه لوجه الله و يلحقها الرياء و النفاق (و أرجو أن يكون الحق لما سمع دعائى قد أجاب ندائى، فما ألقى إلا ما يلقى إلى) ثم لما كان قوله أن يخصني بالإلقاء السبوحى و النفث الروحي، و قوله (لا أنزل في هذا المسطور إلا ما ينزل به على) توهم أنه كان يدعى النبوة احترز عنه بقوله (و لست بنبي و لا رسول و لكني وارث) للعلم من النبي ببركة صحة المتابعة لقوله عليه الصلاة و السلام «العلماء ورثة الأنبياء» (و لآخرتي حارث) أي لا أريد بإظهار هذا العلم الحظ الدنيوي بل الأخروى:
فمن الله فاسمعوا و إلى الله فارجعوا
فإذا ما سمعتم ما أتيت به فعوا
ثم بالفهم فصلوا مجمل القول و اجمعوا
ثم منوا به على طالبيه لا تمنعوا
هذه الرحمة التي وسعتكم فوسعوا
و الفاء في البيت الأول للسببية و تقديم الصلة للتخصيص، أي إذا كان ما أقوله إنما يكون بالإلقاء السبوحى فلا تسمعوه إلا من الله لا منى و إليه فارجعوا لا إلى قوله (و من الله أرجو أن أكون ممن أيد فتأيد و أيد و قيد بالشرع المحمدي المطهر فتقيد و قيد، و أن يحشرنا في زمرته كما جعلنا من أمته) ظاهر (فأول ما ألقاه المالك على العبد من ذلك).
__________________________________________________
(في الروع النفسي) أي في القلب المنسوب إلى الصدر ظرف للنفث و الإلقاء على سبيل التنازع بضم الراء و سكون الواو و فتح النون و سكون الفاء بالى.
و لما بين كيفية وصول الكتاب من يده عليه الصلاة و السلام على الوجه التنزيهي عن التلبيس بقوله (فإنى رأيت) ثم بين كيفية وصوله من يده إلى الشهادة منزها كذلك بقوله (فحققت الأمنية) أراد أن يبين المقصود منه فقال (حتى أكون مترجما لا متحكما) يعنى أن معانى الكتاب و ألفاظها و نظمها و ترتيبها و كتابتها و غير ذلك كلها من إلقاء الحق و ليس له تحكم و تصرف في ذلك اه بالى.
(و لآخرتي حارث) و يدل ذلك على أن الكمل و إن كانوا يعبدون الله يريدون أجر الآخرة من دخول الجنة و النجاة من النار و تكون عبادتهم خالصة عن الأغراض النفسانية إذا رادتهم عين إرادة الله فلا يعبدون في كل مقام إلا الله و باللّه خالصا و مخلصا.