شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٣٧
سلامة الصدر و صفاء القلب و نقاء الباطن، و تذكر ما ذكره في فص نوح: أن الدعوة مكر بالمدعو، و قد علم أن الكيد من أحوال أعيانهم الثابتة و كذا طاعة الشيطان، و الفعل في الأصل إنما هو من الله.
(ثم قال يوسف بعد ذلك في آخر الأمر- هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ من قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا- أي أظهر في عالم الحس بعد ما كانت في صورة الخيال) و معنى كون الصورة الخيالية حقا أن يظهر في الشاهد عند الحس مطابقة للصورة العقلية الحقيقية و الصورة الشخصية المثالية، فإن الأخذ قد يكون من عالم القدس و قد يكون من عالم المثال، و الصورة المثالية لا تكون إلا حقا: أي مطابقة للمعنى العقلي، و كذلك الخارجية للمثالية أبدا (فقال له) أي لهذا الأمر (النبي محمد صلى الله عليه و سلم «الناس نيام» و كان قول يوسف- قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا- بمنزلة من رأى في نومه أنه قد استيقظ من رؤيا رآها ثم عبرها و لم يعلم أنه في النوم عينه ما برح، فإذا استيقظ يقول: رأيت كذا و رأيت كذا، كأنى استيقظت و أولتها بكذا، هذا مثل ذلك، فانظر كم بين إدراك محمد صلى الله عليه و سلم، و بين إدراك يوسف عليه السلام في آخر أمره حين قال- هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ من قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا- معناه حسا: أي محسوسا و ما كان إلا محسوسا، فإن الخيال لا يعطى أبدا إلا المحسوسات، ليس له غير ذلك) عينه تأكيد النوم، و الفرق بين إدراك محمد و إدراك يوسف، أن يوسف جعل الصورة الخارجية الحسية حقا و ما كانت الصورة في الخيال إلا محسوسة، لأن الخيال خزانة المحسوسات ليست فيه إلا الصورة المحسوسة مع غيبتها عن الحس، و أما محمد صلى الله عليه و سلم فقد جعل الصورة الخارجية الحسية أيضا خيالية بل خيال في خيال، حيث جعل الحياة الدنيوية نوما و الحق المتجلى بحقيقته و هويته فيها: أي في الصورة الحسية التي تجلى فيها عند الانتباه عن هذه الحياة، التي هي نوم الغفلة بعد الموت عنها بالفناء في الله حقا.
(فانظر ما أشرف علم ورثة محمد صلى الله عليه و سلم، و سأبسط القول في هذه الحضرة بلسان يوسف المحمدي، ما تقف عليه إن شاء الله تعالى) «ما» في تقف يجوز أن يكون بدلا من القول، و أن يكون موصوفا بمعنى بسطا في محل النصب على المصدر، أي بسطا تقف به
__________________________________________________
في الحس، ففرق يوسف بين الصورة الخيالية و الحسية، و لم يجعل أحدهما من الآخر، و ليس كذلك بل كلها خيالية حسية (فقال له) أي للحس الذي لم يجعله يوسف من الخيال (الناس نيام) فجعلها من الخيال فكان قول يوسف في إدراك محمد بمنزلة من رأى اه بالى.
لما كان حضرة الخيال في روحانية يوسف قال (بلسان يوسف) و لما كان نفسه قدس سره وارثا للولاية الخاصة المحمدية قال (المحمدي) لأنه إذا كان قائما بالولاية المحمدية كان جامعا لجميع ولاية الأنبياء، فكان قائلا بلسان موسى المحمدي و بلسان عيسى المحمدي فالمراد نفسه اه. فكما أن الظل معدوم في نفسه موجود بالشخص