شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٠٧
الإلهية و الأرواح السماوية، فإنها لا تنفك عنها متوجهة نحوه، فلذلك فعلت ما فعلت بأعدائه من القهر و التدمير، و أظهرت ما أظهرت من آيات الله العظمى.
(و أما حكمة إلقائه في التابوت و رميه في اليم، فالتابوت ناسوته و اليم ما حصل له من العلم بواسطة هذا الجسم مما أعطته القوة النظرية الفكرية و القوى الحسية الخيالية التي لا يكون شيء منها و لا من أمثالها لهذه النفس الإنسانية إلا بوجود هذا الجسم العنصري، فلما حصلت النفس في هذا الجسم و أمرت بالتصرف فيه و تدبيره جعل الله لها هذه القوى آلات تتوصل بها إلى ما أراده الله منها في تدبير هذا التابوت الذي فيه سكينة الرب) لأن اليقين و العلم الذي تزداد به الإيمان و السكينة النفس إلى ربها و تطمئن لا يحصل إلا فيه (فرمى به في اليم ليحصل بهذه القوى على فنون العلم، فأعلمه بذلك أنه و إن كان الروح المدبر له هو الملك، فإنه لا يدبره إلا به، فأصحبه هذه القوى الكائنة في هذا الناسوت الذي عبر عنه بالتابوت في باب الإشارات و الحكم، كذلك تدبير الحق العالم ما دبره إلا به) أي بالعالم (أو بصورته فما دبره إلا به، كتوقف الولد على إيجاد الوالد) فإن التدبير الذي دبره الحق العالم فيه بنفس العالم: أي بعضه ببعض، و هو مثل توقف الولد على إيجاد الحق الوالد الحقيقي (و المسببات على أسبابها، و المشروطات على شروطها و المعلولات على عللها و المدلولات على أدلتها، و المحققات على حقائقها) أي الأشخاص المتحققة على حقائقها النوعية (و كل ذلك من العالم و هو تدبير الحق فيه، فما دبره إلا به، و أما قولنا: أو بصورته أعنى صورة العالم فأعنى به الأسماء الحسنى و الصفات العلى التي تسمى الحق بها و اتصف بها، فما وصل إلينا من اسم يسمى به إلا وجدنا معنى ذلك الاسم و روحه في العالم، فما دبر العالم أيضا إلا بصورة العالم) ليس المراد بصورة العالم صورته الشخصية الحسية، و إلا رجع إلى القسم الأول و لم يطابق تفسيره، بل الصورة النوعية العقلية و هي الأسماء الحسنى و حقائقها التي هي الصفات العلى، فإن صور العالم مظاهر الأسماء و الصفات فهي صوره الحقيقية الباطنة، و المحسوسات صوره الشخصية الظاهرة، فهذه نقوش و أشكال تتبدل، و تلك بأعيانها باقية ثابتة لا تتبدل، فهذه هياكل و أشباح و تلك معانيها و أرواحها، فكل ما تسمى به الحق من الأسماء كالحي و العالم و المريد و القادر و اتصف به من الصفات كالحياة و العلم و الإرادة و القدرة موجود في العالم، فما دبر الله ظواهر العالم إلا ببواطنه فالقسم الأول: هو تدبير بعض الصور الظاهرة من أجزاء
__________________________________________________
يعنى أن هذا الرمي إشارة إلى أن النفس الإنسانية ألقيت في تابوت البدن، و رميت به في يم العلم، لتكون بهذه القوى الحاصلة مستعلية على فنون العلم بالى.
أي دبر الروح ملكه الذي هو الجسم العنصري بملكه التي هي القوى الكائنة في هذا الناسوت فدبر ملكه بملكه، كذلك تدبير الحق ما دبر العالم إلا بالعالم بالى.