شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٥٨
ظهر له) و هو الحق و من أظهره الله عليه، و ذلك أن الحق هو الظاهر و الباطن (فلما حرم الفواحش: أي منع أن تعرف حقيقة ما ذكرناه، و هي أنه عين الأشياء فسرها بالغيرة) أي ستر هذه الحقيقة بالتعينات المختلفة التي يطلق عليها اسم الغير، فحدث السوي و الغير حيث يقال أنت غيرى و أنا غيرك، فاعتبرها و أوجب الغيرة من الغير، فلهذا قال (و هو أنت) أي إلى الغيرة أنت، يعنى أنا نيتك إذا اعتبرتها، إذ لو لم تعتبرها و نظرت إليها بعين الفناء كما هي عليه في نفس الأمر كنت من أهل الحمى فلا غيرة ثم فلا تحريم (لأنها من الغير، فالغير يقول السمع سمع زيد، و العارف يقول السمع عين الحق، و هكذا ما بقي من القوى و الأعضاء فما كل أحد عرف الحق، فتفاضل الناس و تميزت المراتب و بان الفاضل و المفضول) بالمعرفة و الجهالة.
(و اعلم أنه لما أطلعنى الحق و أشهدنى أعيان رسله عليهم الصلاة و السلام و أنبيائه كلهم البشريين) قيد الأنبياء بالبشريين للتخصيص، لأن كل ظاهر ينبئ عن باطن فهو نبى بالنسبة إلى ما أخبر عنه، و ذلك الباطن ولى بالنسبة إلى ذلك الظاهر في اصطلاح العرفاء (من آدم إلى محمد صلى الله عليه و سلم و عليهم أجمعين، في مشهد أقمت فيه بقرطبة) و هي مدينة بالمغرب كان مقيما بها (سنة ست و ثمانين و خمسمائة، ما كلمني أحد من تلك الطائفة إلا هود عليه السلام فإنه أخبرنى بسبب جمعيتهم) إنما أخبره هود دون غيره منهم لمناسبة مشربه و ذوقه عليه السلام لمشرب الشيخ قدس سره في توحيد الكثرة و سعة مقام كشفه و شهود الحق في صورة أفعاله و آثاره، و أما سبب اجتماعهم عند محمد صلى الله عليه و سلم، فقيل:
إنه تهنئته قدس سره بأنه خاتم الأولياء و وارث خاتم الرسل و الأنبياء (و رأيته رجلا ضخما في الرجال حسن الصورة لطيف المحاورة عارفا بالأمور كاشفا لها، و دليلى على كشفه لها قوله تعالى- ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- و أي بشارة للخلق أعظم من هذه، ثم من امتنان الله علينا أن أوصل إلينا هذه المقالة عنه في القرآن، ثم تممها الجامع للكل محمد صلى الله عليه و سلم بما أخبر به عن الحق بأنه عين السمع و البصر و اليد و الرجل و اللسان: أي هي عين الحواس و القوى الروحانية أقرب من الحواس، فاكتفى بالأبعد المحدود عن الأقرب المجهول الحد) يعنى أن القوى الروحانية أقرب إلى الله في الشرف و التجرد عن المادة، و النورية و التنزه من الحواس، إذ هي حالة في المحال
__________________________________________________
(فلما حرم الفواحش أي منع أن تعرف) خطاب عام (أي منع) أن يعرف كل إنسان (حقيقة ما ذكرناه) و هي أنه عين الأشياء فكانت تلك الحقيقة ما بطن من الفواحش (فسترها) أي ستر الحق تلك الحقيقة عن الغير لئلا يطلع عليها أحد إلا بالمجاهدات و الرياضات بالسلوك بطريق التصفية، و جواب لما محذوف: أي لما حرم الفواحش أي جنس الفواحش حرم أن تعرف، فقوله: فسترها، جواب شرط محذوف اه بالى.