شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢١١
أمه و من أجل تمثل جبريل في صورة البشر، حتى لا يقع التكوين في هذا النوع الإنسانى إلا على الحكم المعتاد) إنما سرت الشهوة في مريم حين قال لها ما قال، لأنها آنست حين كانت في محرابها بقول الملائكة في قوله تعالى- إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. وَجِيهاً في الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ من الْمُقَرَّبِينَ- فكانت منتظرة من الله إنجاز وعده. فلما سمعت قول جبريل تذكرت و علمت أنه حان وقت ذلك و انبسطت و دنا منها جبريل في صورة البشر عند النفخ فتحركت شهوتها بحكم البشرية لأن أكثر هيجان الشهوة في النساء وقت النقاء من الحيض، و كان انتباذها من فوتها للاغتسال وقت انقطاع الدم، و كان الوقت وقت غلبة الشهوة و دنو جبرائيل منها في صورة الشاب الحسن، و تصورت أنه وقت إنجاز وعد ربها- لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا- فاجتمعت الموافقة لما قدر الله من غلبة الشهوة و تمنى ما بشر الله بها و فرح بمداناة الشاب المليح، فتحركت الشهوة كما في الاحتلام بعينه، فاحتلمت و جرى ماؤها مع النفخ إلى الرحم النقي الطاهر فعلقت و خلق من ماء محقق من مريم و من ماء متوهم متخيل من نفخ جبريل، لأن النفخ من الحيوان رطب فيه أجزاء لطيفة مائية بالفعل مع أجزاء هوائية سريعة المصير إلى الماء، و اجتمع الماءان المحقق و المتكون لتوهمها من مادة النفخ فتكون جسم عيسى روح الله منهما في وقت غلب على أمه البسط و الروح بتحقق ما بشرت به في تصورها، فخرج منشرح الصدر طليق الوجه متبشرا بساطا حسن الصورة غالبا عليه البسط و الماء المتوهم، جاز أن يكون من توهمها أن الولد لا يكون إلا من ماء الرجل فخلق الماء من النفخ بقوة وهمها، و أن يكون من جهة جبريل لأنه سلطان العناصر يقدر أن يجرى من نفسه الرحمانى روح الماء في النفخ فيجعله ماء، و أما كون
عيسى على صورة البشر فلانتسابه إلى أمه و لتمثل جبريل في صورة البشر السوي فكان تكونه على السنة المعتادة و الحكمة المتعارفة، و لأن أشرف الصور هي الصورة الإنسانية المخلوقة على صورة الله تعالى المكرمة عند الله، و لأن الله لا يتجلى في الحضرات الإيجادية إلا في صورة النوع الذي يوجده أي نوع كان، و لهذا لما خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا كان متجليا في صورة إنسانية، و لهذا قال الشيخ رضى الله عنه: حتى لا يقع التكوين الإنسانى إلا على الحكم المعتاد في هذا النوع، فإن تكوين عيسى كان في هذا النوع (فخرج عيسى يحيى الموتى لأنه روح إلهى، و كان الإحياء للَّه و النفخ لعيسى كما كان النفخ لجبريل و الكلمة للَّه) كل موجود كلمة من الله: إما كونية كالأجساد و إما إبداعية كالأرواح، و إما أحدية جمعية من الظاهر و الباطن، و اللاهوت و الناسوت كالإنسان الكامل، و الغلبة في كل كامل إنما تكون لمرتبة من المراتب، و كان الغالب على عيسى حكم اللاهوت فلذلك كان يحيى الموتى و كان الغالب على جسمانيته حكم الروح، فلذلك رفع