شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢١٧
أي الموجودات كلها تعينات الوجود المطلق الحق و صور التجليات الإلهية فهي كلماته الكائنة بقول كن و كن عين كلمة الله فإما أن يكون الوجود الحق من حيث حقيقته المطلقة ظهر في صورة الكلمة فلا يعرف حقيقة الكلمة كما تعرف حقيقة الحق، و إما أن ينزل الحق عن حقيقته المطلقة إلى صورة من يتعين بذلك التعين أي من يقول كن فيكون المتعين عين الكلمة التي هي صورة ما نزل إليه و ظهر فيه و هو نفس التعين و عين كن، فبعض العارفين وجد الأول ذوقا فذهب إليه، و بعضهم إلى الثاني، و بعضهم وقع في الحيرة فلم يدر حقيقة الأمر و هي الحيرة الكبرى التي للأكابر، و أما الأكامل من المحمديين فلم يحاروا بل قالوا بتحقيق الأمرين معا، فإن كل عين هي نفس المتعين و كل متعين متقيد هو عين المطلق، فإن المطلق ليس هو المقيد بالإطلاق الذي يقابل المقيد، بل الحقيقة المطلقة من حيث هو هو فيكون مع كل تعين و تقيد هو هو على إطلاقه، و عين المقيد الذي نزل إلى صورته، و عين التعين الذي ظهر في صورته فلا حيرة أصلا (و هذه مسألة لا يمكن أن تعرف إلا ذوقا: كأبي يزيد حين نفخ في النملة التي قتلها فحييت فعلم عند ذلك بمن ينفخ فنفخ، و كان عيسوى المشهد) يعنى معرفة الإحياء و كيفية نسبة الحق في صورة عبده إلى النافخ باللّه، لا يحصل إلا بالذوق فمن لم يحيى لم يحي كما فعل أبو يزيد لم يشهده سهوا محققا و لم يعرفه إلا ذوقا، فإن الإحياء من الكيفيات و الكيفيات لا تعرف بالتعريفات، و لا يتجلى بالوجودات كما ذكر قبل.
(و أما الإحياء المعنوي بالعلم فتلك الحياة الإلهية الذاتية الدائمة العلية النورية التي قال الله فيها- أَ وَ من كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي به في النَّاسِ- فكل من أحيا نفسا ميتة بحياة علمية في مسألة خاصة متعلقة بالعلم باللّه فقد أحياه بها، و كانت له نورا يمشى به في الناس، أي بين أشكاله في الصورة) يعنى أن الإحياء الحقيقي هو الإحياء المعنوي بالعلم للنفس الميتة بالجهل، فإن العلم هو الحياة الحقيقية الدائمة السرمدية العلية النورية لنفوس العارفين العالمين باللّه، و لكن لا كل علم بل العلم باللّه و صفاته و أسمائه و آياته و كلماته و أفعاله و قد أعطاه الله أولياءه الكمل الأصفياء يحيون بنفائس أنفاسهم نفوس المستعدين، و يفيضون عليهم أنوار الحياة النورية العلية العلمية فيحيون بها عن موت الجهل و يمشون في الناس
__________________________________________________
العارف يعلم أن الإحياء من الخصائص الإلهية، فشاهد صدوره من العبد، فيحار في نسبته إلى الله و إلى العبد لعدم ذوق هذا العارف من تلك المسألة اه بالى.
فعلم منه أن كل ما صدر من الأولياء مثل هذا كان ذلك بواسطة روحانية عيسى عليه السلام، هذا هو الإحياء الصوري (و أما الإحياء المعنوي) اه بالى.
(بين أشكاله في الصورة) فظهر أن الإحياء الحسي و المعنوي، إما من الله بواسطة الإنسان الكامل، و إما من الإنسان الكامل بإذن الله فكان لكل واحد من الحق و العبد مدخل في وجود حادث، فيستند الوجود إلى الحق و إلى العبد اه بالى.