شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٦٩
للالتباس الواقع في العناية الإلهية من سلام عيسى على نفسه و إن كانت قرائن الأحوال تدل على قربه من الله في ذلك و صدقه، إذ نطق في معرض الدلالة على براءة أمه في المهد فهو أحد الشاهدين، و الشاهد الآخر هز الجذع اليابس فسقط رطبا جنياًّ من غير فحل و لا تذكير، كما ولدت مريم عيسى من غير فحل و لا ذكر و لا جماع عرفى معتاد، و لو قال نبى آيتى و معجزتي أن ينطق هذا الحائط فنطق الحائط و قال في نطقه: تكذب ما أنت رسول الله لصحت الآية و ثبت بها أنه رسول الله و لم يلتفت إلى ما نطق به، فلما دخل على هذا الاحتمال) أي عند المحجوب الجاهل (في كلام عيسى باشارة أمه إليه و هو في المهد كان سلام الله على يحيى أرفع من هذا الوجه) يعنى مجرد نطق عيسى بإشارة أمه إليه عند سؤال الأحبار مريم بقولهم- لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا- و قولهم- ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا- كاف في صحة مدعى مريم و براءتها مما توهمت اليهود في حقها، إذ برأها الله مما قالوا بنطقه في المهد لكن تطرق فيما نطق به مثل ما مثل به عند الجاهل في نطق الحائط كان سلام الله على يحيى أرفع من هذا الوجه (فموضع الدلالة أنه عبد الله من أجل ما قيل فيه إنه ابن الله، و فرغت الدلالة بمجرد النطق و أنه عبد الله عند الطائفة الأخرى القائلة بالنبوة، و بقي ما زاد في حكم الاحتمال في النظر العقلي حتى ظهر في المستقبل صدقه في جميع ما أخبر به في المهد فتحقق ما أشرنا إليه) فرغت الدلالة أي تمت و صحت. و المراد بالنظر العقلي النظر العرفي العادي الحجابى، لأن العقلي الصريح المجرد لما شاهد صحة بعض كلامه في قوله- إِنِّي عَبْدُ الله- حكم بصحة جميع ما نطق به لأن قرائن الأحوال عند أهل الذوق و العقل الخالص عن الوهم و العادة دلائل شاهدة كيف نطق، و مجرد نطقه دليل على براءة أمه صادق في شهادته، فمحال أنه لا يدل على صدق نفسه، و لو تطرق احتمال الكذب في البعض لتطرق في سائر الأبعاض، صدقه في موضع الدلالة يقتضي صدقه في البواقي، و كذلك سقوط الرطب الجنى من الجذع اليابس بإخباره في بطن أمه قبل تسليمه على نفسه يحكم بكونه روحا مقدسا مؤيدا بالنور، فكيف لا يصدق في تسليمه على نفسه، و كفى بكلامه في المهد مع كونه كلاما منتظما مفتتحة دعوى عبودية الله، و مختتمه تسليمه على نفسه من قبل الله دليلا على صدقه بإخباراته و ارتفاع اللبس عنها عند العقول السليمة، فظهر أنه ليس عند أهل التحقيق لبس و احتمال، و أما العقول المحجوبة المشوبة بالوهم فلا اعتبار بنظرها.
__________________________________________________
(في العناية الإلهية به) أي بيحيى و العناية هي سلام الحق عليه، بخلاف سلام عيسى لنفسه لأنه أحد الشاهدين في براءة أمه لا يدخل الاحتمال من هذا الوجه أصلا، لكنه ليس كذلك في حق نفسه لدخول الاحتمال الوهمي في حق نفسه، فكان كلام عيسى في حق أمه أرفع للالتباس، و في حق نفسه رافع الالتباس فلا يساوى كلامه مع كلام الحق في رفع الالتباس بوجود هذه القرائن من غير فحل و لا تذكير فكان حال الشاهد حال المشهود له اه بالى.