شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٩٤
مما هم عليه، فإن كان ظلم فهم الظالمون، لذلك قال- وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ- فما ظلمهم الله، كذلك ما قلنا لهم إلا ما أعطته ذاتنا أن نقول لهم، و ذاتنا معلومة لنا بما هي عليه من أن نقول كذا و لا نقول كذا، فما قلنا إلا بما علمنا أن نقول، قلنا القول منا و لهم الامتثال و عدم الامتثال مع السماع منهم) هذا كلام ظاهر اللفظ، و المعنى حاصلة أن كمال المعرفة و العلم بحقائق الأمور يقتضي حفظ الأدب مع الله تعالى و عدم الظهور بالتصرف و إرسال الهمة على شيء، فإن العارف المحقق يعلم أنه لا يظهر في الوجود إلا ما كان في العلم الأزلى، و ما كان في العلم أن يقع لا بد أن يقع، و ما كان فيه أن لا يقع فمحال أن يقع، فالأمر بين فاعل عالم بما في قوة القابل، و القابل لا يقبل إلا ما في استعداده الذاتي الغير المجعول، فعلى أي شيء يرسل الهمة، و أي فائدة في إرسالها؟ فإن المعلوم وقوعه أو لا وقوعه لا يتغير بهمته، و لا يتأخر عن وقته المقدر فيه و لا يتقدم عليه، و القابل لا يقبل إلا ما علم الفاعل أن يقبله، و الفاعل لا يفعل إلا ما يقتضي قبوله، فإن الأعيان مقتضية بما تجرى عليها حالة الوجود من الأزل إلى الأبد و الفاعل العالم لا يعلم منها إلا ذلك، و النسب الأسمائية مؤثرة فيها بمقتضى العلم و القبول، فلذلك قال: ما قلنا لهم إلا ما أعطته ذاتنا أن نقول لهم، فإن الأعيان عين الذات الأحدية المتجلية بصورها و ذاتنا معلومة لنا بما هي عليه من أن نقول كذا و لا نقول كذا، لأن علمه بذاته علمه بالأعيان كلها فقوله للأعيان بالكون على ما هي عليه مقتضى علمه، و الامتثال و عدم الامتثال مع سماع القول منهم مبنى على ما فيها و علم منها أزلا:
(فالكل منا و منهم و الأخذ عنا و عنهم)
منا من حيث حضرتنا الأسمائية، و منهم من حيث الأعيان الظاهرة بالوجود الحق المظهرة لحقائق الأسماء على قابلياتها و استعداداتها الذاتية، و أخذ العلم الحقيقي عنا، فإنا نعطى من فضلنا ما نشاء من نشاء، كما قال- ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ من يَشاءُ- و عنهم: أي العلم مأخوذ من الأعيان المعلومة و هي نحن، فإن العلم منه أولا بذاته ثم بالأعيان التي هي مظهر حقائق ذاته، و العلم بالأعيان ليس إلا علمه بذاته إذ لا معلوم إلا هو:
(و إن لم يكونوا منا فنحن لا شك منهم)
__________________________________________________
قطعا لا صرفا و لا متوسطا إذ مآل الجبر الظلم اه (كذلك ما قلنا لهم) المراد من القول التكاليف الشرعية، فلما أعطى الحق لهم ما طلبت ذواتهم من الكفر و الإيمان، كذلك أعطى الحق لذاته تعالى ما اقتضت ذاته من القول كذا و عدم القول كذا اه بالى.
(و الكل منا و منهم) أي القول و الامتثال و عدم الامتثال من الحق من وجه، و من العبد من وجه (و الأخذ) أي التعذيب لمن لم يمتثل الأمر التكليفي عن الحق و عن العبيد، فهم كانوا منا اه (إن لم يكونوا منا فنحن لا شك منهم) تحقيقا للعبودية و الربوبية، فإنه إذا لم يكن الحق منهم على تقدير عدم كونهم من الحق لم تتحقق الربوبية و العبودية، فكون الحق منهم محال بالضرورة فكانوا من الحق و الحق ليس منهم أو معناه فالكل أي إعطاء الكلّ منا و منهم: و الأخذ أي أخذ الكل عنا و عنهم، فكان الحق معطيا و آخذا و العبد كذلك،