شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٨٨
العبد بصفة الحق و حصره جميع صفاته ليس تخللا بمعنى الامتزاج، بل هو محو صفات العبد بتجلى الصفات الإلهية له، و قيامه محق صفاته حتى يكون العبد مسمى بأسماء الله تعالى كما ذكر في حق إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و هي الكلمات التي ابتلاه الله بهن فأتمهن، فقال له- إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً- فمعنى الخلة بالحقيقة، ظهوره بصورة الحق فيكون الحق سمعه و بصره و سائر قواه، فبه يسمع العبد و به يبصر و تسمى هذه المحبة حب النوافل، لكون الصفات الزائدة على ذات العبد، ففناؤه في الحق بها حب النوافل أي الزوائد كأنه تخلل حضرات الأسماء الإلهية فتقرب به بصفات نفسه، فكساه الله تعالى صفاته أو بالعكس لقوله (أو لتخلل الحق وجود صورة إبراهيم) و هو اتصاف الحق بصفات إبراهيم و صورته، بأن يتعين بتعينه فيضاف إليه جميع ما يضاف إلى إبراهيم من الصفات، فيفعل الله تعالى ما يفعل بإبراهيم و يسمع بسمعه و يرى بعينه و هو حب الفرائض، إذ لا يوجد إبراهيم إلا به ضرورة انعدامه بنفسه (و كل حكم يصح من ذلك كما ذكر، فإن لكل حكم موطنا يظهر به لا يتعداه) أي إنما يصح الحكم الأول و هو ظهور إبراهيم بصورة الحق، في جناب الحق و مواطن قربه في الحضرة الإلهية و في الدار الآخرة. و الحكم الثاني و هو ظهور الحق بصورة إبراهيم من حيث تعينه في وجوده، حتى تصدر عنه الصفات الخلقية و تنضاف إليه صفات النقص، كالتأذى في قوله- يُؤْذُونَ الله- و المكر في قوله- وَ مَكَرَ الله- و الاستهزاء في قوله- الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ و السخرية في قوله- سَخِرَ الله مِنْهُمْ- بسبب تعينه بعين العبد لا من حيث حقيقته، و قد يضاف إليه صفات الكمال فكلا الحكمين في مواطن الحب، كالرمى في قوله- وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى- فإن هذا لا يضاف إليه، و الحكم به عليه قد يصح في موطن حب الفرائض و النوافل جميعا، فقوله (ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات، و أخبر بذلك عن نفسه، و بصفات النقص و بصفات الذم) استشهاد و مثال للقسم الثاني، و قوله (ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق من أولها إلى آخرها) استشهاد و مثال للحكم الأول، كاتصاف العبد بالعلم و الرحمة و الكرم و أمثالها (و كلها حق له كما هي صفات المحدثات حق للحق) أي و جميع صفات الحق تعالى حق واجب ثابت للمخلوق، لأن حقيقة المخلوق هو الحق الظاهر بحقيقته في صورة عينه و صفاته صفاته فهي حق للمخلوق من حيث الحقيقة، و كذلك جميع صفات المحدثات حق واجب ثابت للحق تعالى فإنها شئونه، و إذا كان وجود المحدثات وجوده الظاهر فيها فكيف بصفاتها، و صفات المحدثات بدل من الضمير أو بيان، فإنه يجرى مجرى التفسير كأنه قال كما هي، أي صفات المحدثات حق للحق.
__________________________________________________
(و كلها) أي كل صفات الحق حق له، أي ثابت المخلوق و ينعت بها، و لو لا تخلل العبد الحق لما صح هذا الحكم اه بالى.