شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٤٥
ما أعطى هذه الخاصية أحدا دونه (و في هذه الحال الخاص) أي بهذه الخاصية (تقدم على الأسماء الإلهية) التي يشارك فيها سائر الأنبياء و الأولياء. ثم علل تقدمه على الكل بهذه الخاصية بقوله (فإن الرحمن ما يشفع عند المنتقم في أهل البلاء إلا بعد شفاعة الشافعين) لأنه عليه الصلاة و السلام رحمة للعالمين و لو كانت رحمته رحيمية فقط لكانت مختصة بالمؤمنين كما وصفه بقوله- بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ- و لما شملت الكل كما قال- وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ- كان مظهر اسمه الرحمن و اسم الرحمن شامل لجميع الأسماء لا فرق بينه و بين الله كما قال تعالى- قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى- إلا أن اسم الله قد يطلق على الذات الأحدية لا باعتبار الأسماء كقوله- الله أَحَدٌ- و هو لا ينافي كونه مع جميع الأسماء، و إذا كان شاملا لا يتصف به إلا بعد الانصاف بجميعها، فلا يشفع عند المنتقم إلا بعد شفاعة الأسماء الأخر، فإن المنتقم القهار إذا كان انتقامه يسكن بالرءوف الرحيم لا يحتاج إلى شفاعة الرحمن، أما إذا كان قهرا بليغا تاما لا يقبل صاحبه شفاعة سائر الأسماء شفع الرحمن الذي يسع رحمته جميع الأسماء حتى القهار و المنتقم، فلو لم تكن الرحمة الرحمانية بالإيجاد لم يوجد القهر و الغضب و الانتقام، فظهرت سلطنة الرحمن على الكل، فينجو بشفاعته آخرا أهل الجهد و البلاء من الذل و العذاب كما نجى الجميع أولا بجوده و إحسانه من ظلمة العدم، و لهذا قال «ادخرت شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى» فافهم، و شاهد سيادته للكل (ففاز محمد صلى الله عليه و سلّم بالسيادة في هذا المقام الخاص، فمن فهم المراتب و المقامات لم يعسر عليه مثل هذا الكلام) في هذا المقام الخاص الذي فاز به عليه الصلاة و السلام.
قوله (و أما المنح الأسمائية فاعلم أن منح الله تعالى خلقه رحمة منه بهم) إشارة إلى أن المنح الأسمائية كلها بعد الوجود فإنه من الأعطية الذاتية كما مر و لهذا قال (و هي كلها من الأسماء) فإنها رحمة على الخلق فكانت بعد الخلق.
قوله (فأما رحمة خالصة كالطيب من الرزق اللذين في الدنيا الخالص يوم القيامة و يعطى ذلك اسم الرحمن فهو عطاء رحمانى، و أما رحمة ممتزجة كشرب الدواء الكره الذي يعقب شربه الراحة و هو العطاء الإلهي، فإن العطايا الإلهية لا يمكن إطلاق عطائه منه من غير
__________________________________________________
(في هذا المقام الخاص) و هو معظم الأمور مع أنه لا يلزم منه فضل محمد عليه الصلاة و السلام على الرحمن، لأن فوزه بهذه السيادة لا يكون إلا من الرحمن (منح الله تعالى) أي اعتبار الذات بجمعية الأسماء فكانت العطايا الحاصلة منه كلها أسمائية، و اعتبارها بحسب نفسه كانت عطاياه ذاتية (يعقب شربه الراحة) و يعطى ذلك الاسم الله على يد الرحمن من حيث جامعيته للصفات المتقابلة لذلك كان عطاؤه ممتزجة اه بالى.