شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٩١
و أن العالم ليس إلا تجليه في صور أعيانهم الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه، و أنه يتنوع و يتصور بحسب حقائق هذه الأعيان و أحوالها، و هذا بعد العلم به منا أنه إلهنا) يعنى أنه لما هداه العقل أنه لا بد من وجود واجب بذاته غنى عن العالمين انكشف عليه إن ساعده التوفيق، أن ذلك الوجود الحق الواجب هو المتجلى في صور أعيان العالم بذاته، و أن أول ظهوره هو تجليه في الجوهر الواحد و العين الواحدة المرتسمة بصور الأعيان الثابتة العلمية كلها و لا وجود لها إلا به، فهي به موجودة أزلا و أبدا، و ينسبه إليها بنسب أسمائه، بل التعينات العينية كلها صفاته و بها تتميز أسماؤه و تظهر الإلهية بظهورها به في صور العالم، فهو الظاهر في صورة العالم و الباطن في صور أعيانه و العين واحدة في ظهورها، فذلك عين الدليل على نفسه، و بعد علمنا به منا أنه إله لنا، علمنا أنه يتنوع و يتصور بحسب حقائق هذه الأعيان و أحوالها فإنها هو لا غيره، و قوله: إنه إله لنا بدل من الضمير في به، أي بعد العلم بأنه إله لنا (ثم تأتي الكشف الآخر فتظهر لك صورنا فيه، فيظهر بعضنا لبعض في الحق، فيعرف بعضنا بعضا و يتميز بعضنا عن بعض) الكشف الأول: هو الفناء في الحق، لأن الشاهد و المشهود في ذلك الكشف ليس إلا الحق وحده و يسمى الجمع، و الكشف الثاني: هو البقاء بعد الفناء، فيظهر في هذا المقام صور الخلق، و يظهر بعض الخلق للبعض في الحق، فيكون الحق مرآة للخلق، على أن الوجود الواحد قد تكثر بهذه الصور الكثيرة، فالحقيقة حق و الصور خلق، فيعرف بعض الخلق بعضا و يتميز البعض عن بعض في هذا الشهود (فمنا من يعرف أن في الحق وقعت هذه المعرفة لنا بنا، و منا من يجهل الحضرة التي وقعت فيها هذه المعرفة بنا، أعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين) أي فمنا المكاشف بالكشف الثاني، من لا يحتجب بالخلق عن الحق فيعرف الكثرة الخلقية في عين الحقيقة الأحدية الحقية و هو أهل الكمال، لا يحجبهم الجلال عن الجمال و الجمال عن الجلال، فإن الكشف الأول جمالى محض، لا يشهد فيه صاحبه إلا الجمال وحده، و الصور العينية و أحوالها و تعيناتها أسماؤه و صفاته، فهو محجوب بالجمال عن الجلال. و منهم أي و من أهل الكشف الثاني، من يحتجب بالجلال عن الجمال فيخيل الحضرة بحسب الخلق غيره فيحتجب بالخلق عن الحق، أعوذ باللّه من الضلال بعد الهدى، و لا تظن أن الوجود العيني في الظاهر عين الوجود الغيبى في الباطن حقيقة، فتحسب أن الأعيان قد انتقلت من العلم إلى العين أو بقيت هناك، و الوجود الحق ينسحب عليها فيظهر بآثارها و رسومها، أو هي مظاهر موجودة ظهر الحق فيها، بل الأعيان بواطن الظواهر ثابتة على معلوميتها، و بطونها أبدا قد تظهر و تختفى، فظهورها باسم النور و وجودها العيني الظاهر و بقاؤها على الصورة العلمية الأزلية الأبدية و وجودها الغيبى، فهي في حالة واحدة ظاهرة و باطنة بوجود واحد حقى.