شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٩٧
في الله بقدر ما قدر لهم من كمالات صفاته و أسمائه. و جهة النبوة: و هي الإخبار عن الله بقدر ما رزقوا من معرفته، فعلوم كل واحد منهم من جهة الرسالة ليست إلا بقدر ما تحتاج إليه أمته المرسل إليهم لا أزيد و لا أنقص، لأنه إنما أرسل بسؤال استعدادهم و مقتضاه فلا يكلفهم إلا ما يسعه استعدادهم، فبقدر ما تتفاضل الأمم في الاستعدادات تتفاضل الرسل في علوم الرسالة، و لهذا قال تعالى- تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا- الآية، أي في علوم الرسالة لدلالة الرسل عليه، و ترتيب الحكم على الوصف و ضمير هو يرجع إلى التفاضل المقدر بتفاضل الأمم، و ربما يطوى الله عنهم بعض العلوم الذي لا يحتاجون إليه في الرسالة و ينافيها ظاهرا كالعلم بسر القدر، فإنه يوجب فتور الهمة في الدعوة عن طلب ما هو غير مقدور، و مقتضى الرسالة الجد و القوة و العزم فيها، و كذلك في مراتب النبوة بحسب ذواتهم و أعيانهم متفاضلون في العلوم و المعارف و الأحكام على مقتضى استعداداتهم الأصلية، كما قال- وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ- و لما كانت النبوة ظاهر الولاية و الولاية باطنها كان تفاضلهم في النبوة بقدر تفاضلهم في الولاية، فإن نبأهم الصادق إنما يكون عما هم فيه من الألوهية و الربوبية (و قال الله تعالى في حق الخلق- وَ الله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ- و الرزق: منه ما هو روحانى كالعلوم، و حسى كالأغذية، و ما ينزله الحق إلا بقدر معلوم و هو الاستحقاق الذي يطلبه الخلق، فإن الله أعطى كل شيء خلقه فينزل بقدر ما يشاء، و ما يشاء إلا ما علم فحكم به و ما علم كما قلناه إلا بما أعطاه المعلوم) الخلق أعم من الأنبياء و الأمم، فإن جميع الناس يتفاضلون بذواتهم و مقتضى أعيانهم و استعداداتهم الأصلي في الرزق المعنوي و الصوري، و ما ينزل عليهم ذلك الرزق إلا بقدر ما يطلبه كل أحد باستعداده الأصلي، و فسر القدر المعلوم بالاستحقاق الذي يقتضيه خلقه أي عينه الثابتة عند خلقه و دخوله في الوجود، و الباقي معلوم مما مر (فالتوقيت في الأصلي للمعلوم) أي التعيين بالوقت و السبب في نفس الأمر لما علم الله من أحوال كل عين، و هو القدر المقدور (و القضاء و العلم و الإرادة و المشيئة تبع للقدر) أي العين الثابتة، فإن العلم الإلهي ليس إلا منها و الحكم تبع للعلم، و كذلك الإرادة و المشيئة و التوقيت هو القدر فكلها تبع القدر الذي هو نفس للعين (فسر القدر من أجل العلوم، و ما يفهمه الله تعالى إلا لمن اختصه بالمعرفة التامة، فالعلم به يعطى الراحة الكلية للعالم به أيضا، و يعطى العذاب الأليم للعالم به أيضا
__________________________________________________
أي مقتضى خلقه دفعة واحدة في الأزل من الرزق الروحاني و الجسماني اه (فالتوقيت) أي توقيت ما هي عليه الأشياء (في الأصل المعلوم) أي من اقتضاء ذات المعلوم، فإنه طالب من الله ذلك التوقيت باستعداده اه (يعطى الراحة) لعلمه أن كل الرزق الذي اقتضته ذاته لا بد أن يصل إليه فيستريح عن الطلب (و العذاب الأليم) لعلمه أن ما لا يلائم غرضه من مقتضى ذاته كالفقر و المرض لا يزول البتة فلا يرى سببا للخلاص فيتألم به، و هذا