شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٦٠
و لكن لا يفقه تسبيحه إلا بكشف إلهى، و لا يسبح إلا حى، فكل شيء حى، فكل شيء من الماء أصله) اعلم أن الحياة إذا تمثلت و تجسدت ظهرت بصورة الماء، و كذلك العلم الذي هو الحياة الحقيقية، و هو معنى قوله: سر الحياة سرى في الماء و لما كان أصل الكل الحياة و العلم و الماء صورتهما جعل أصل النار الماء، فإن الحياة التي هي عين الذات الأحدية تمثلت بصورة الأرواح، ثم نزلت إلى صور الطبائع، ثم تمثلت بصور العناصر فثبت أن من الماء الذي هو صورة الحياة كل شيء حى، و أنه لا شيء إلا و هو حى كما ذكر، فلا شيء إلا و أصله من الماء.
(ألا ترى العرش كيف كان على الماء لأنه منه تكوّن) المراد بالعرش العرش الجسماني: أي الفلك الأطلس، و إنما تكون من الماء لأن الله تعالى خلق أول ما خلق ذرة بيضاء فنظر إليها بعين الجلال فذابت حياء فصار نصفها ماء و نصفها نارا فكان عرشه على ذلك الماء، فالدرة هي العقل الأول الذي تكون منه جميع الأكوان، و النظر إليه بعين الجلال احتجاب الحق تعالى بتعينه، فإن نظر الجمال تجلى الوجه الإلهي بنوره، و نظر الجلال تستره بغيره، و ذوبانه تلاشيه بماهيته الإمكانية العدمية و تكون الأشياء منه، فإنه كالهيولى لجميع الممكنات، و النصف الناري تكون الأرواح منه بالتعينات النورية، ألا ترى كيف سمى روح القدس عند اتصال موسى به نارا حيث قال- بُورِكَ من في النَّارِ وَ من حَوْلَها- و قال- آنَسَ من جانِبِ الطُّورِ ناراً- و النصف المائى تكون الأجسام منه، فإن الهيولى هو البحر المسجور أي المملوء بالصور، فإنها ماء كلها فكان العرش على ذلك الماء. و لما كان العقل الأول الذي هو أصل الكل عين الحياة و مثالها صح أن أصل الكل الماء حتى الهيولى و النار (فطغى عليه) أي ظهرت صورة العرش على ماء الهيولى، فإن كل ما طغى على ماء ظهر، و بطن الماء تحته، و كذا بطن الهيولى بظهور صورة الأجسام فيها (فهو يحفظه من تحته) أي الهيولى يحفظ الصورة العرشية من تحته (كما أن الإنسان خلقه الله عبدا فتكبر على ربه و علا عليه، فهو سبحانه مع هذا يحفظه من تحته بالنظر إلى علو هذا العبد الجاهل بنفسه) و في نسخة: بربه و كلاهما يستقيم، لأن الجاهل بنفسه جاهل بربه و بالعكس، و إنما خلق الإنسان عبدا لأنه مقيد في تعينه، و ليست حقيقة العبد إلا صورة تعين الوجود للحق المتجلى فيه، و المتعين لا بد أن يعلو المتعين به المستور فيه و إلا لانعدم، إذ لا تحقق للمتعين بدون المتعين به، فإنه بلا هو هالك، فالحق يحفظ العبد من تحته (و هو قوله عليه الصلاة و السلام «لو دليتم بحبل لهبط على الله» فأشار
__________________________________________________
(فهو يحفظه من تحته) أي الماء يحفظ العرش من تحته، فإذا كان أصلا العرش كان أصلا لكل ما أحاط به العرش، فكل شيء أصله الماء اه بالى.