شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٥٧
لما ظنوا باللّه خيرا و الله عند ظن عبده، فأثابهم خيرا مما ظنوا من حيث لا يشعرون، فإن الوصول إلى ما ظنوه من الانتفاع بالمطر قد لا يقع و قد يقع من بعد و الذي وقع خير و أقرب، فإنهم وصلوا بذلك إلى الحق و حصلوا في عينه من حيث لم يحتسبوا، فإن للحق وجوها كثيرة و نسبا مختلفة من جملتها أحوالهم و ظنونهم و أقوالهم، فإن هذه الحالة خير لهم مما ظنوا و إن أوجعتم بقطع الحياة و فرقة المألوفات، لأن ذلك أرواحهم مما هم فيه أكثر مما أوجعتهم، و نجاهم من التوغل و التمادي في التكذيب و العصيان الموجب للرين على القلوب، و خفف عنهم بعض عذاب الآخرة فجازاهم على حسن ظنهم باللّه خيرا على وجه أتم- فدمرت كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ- و هي جثتهم التي عمرتها أرواحهم الحقية فزالت عنهم حقية هذه النسبة الخاصة، و بقيت على هياكلهم الحياة الخاصة بهم من الحق التي تبطل بها الجلود و الأيدى و الأرجل و عذبات الأسواط و الأفخاذ و قد ورد النص الإلهي بهذا كله) أي فدمرت الريح بالتدبير الإلهي كل شيء مما كان قابلا للتدمير منهم، فأراحت أرواحهم التي هي حقائقهم عن جثتهم التي هي مساكنهم بعد ما كانت عامرة لها مدبرة إياها، و هي حقية: أي متحققة ثابتة في وجودها ثابتة للنسبة إلى أبدانها فزالت حقية نسبها إلى أبدانها، أي تحققت نسبتها الخاصة و بقيت الهياكل حية بحياتها الطبيعية المخصوصة بها من الحق لما ذكرنا أن كل شيء و إن كان جمادا فهو ذو روح مخصوص به من الحق، و هي الحياة التي تنطق بها الجلود و الأيدى و الأرجل كما ورد في القرآن و عذبات الأسواط و الأفخاذ كما ورد في الحديث، و قد أشار أبو مدين رضى الله عنه إلى هذه الحياة بقوله: سر الحياة سرى في الموجودات كلها، فإن الحي بالذات القيوم للكل متجلى في الجمع و إلا لم يوجد، فمن حضرة الاسم الحي يحيى كل شيء بحياة ظاهرة أو باطنه على ما مر (إلا أنه تعالى قد وصف نفسه بالغيرة، و من غيرته حرم الفواحش و ليس الفحش إلا ما ظهر) مما يجب ستره و من جملة سر الربوبية فقد قيل إفشاؤه كفر (و أما فحش ما بطن فهو لمن
__________________________________________________
فإذا باشرهم الحق العذاب (فدمرت كل شيء بأمر ربها) أي قطعت الريح تعلق أرواحهم بظواهر أبدانهم.
قوله (حقيقة هذه النسبة) و حقيتها كونهم على صورة الحق من العلم و الحياة و القدرة بسبب تعلق الأرواح الحقية بهم، فإذا زال تعلق الروح زالت عنهم هذه الكمالات الحقية (و بقيت على هياكلهم الحياة الخاصة) و هي الحياة التي نصيب منها لكل شيء من الله بدون نفخ منه بخلاف الحياة الحقية، فإنها لا تحصل إلا لمن يقبل الاستواء اه (و عذابات الأسواط) أي يذوق بها الميت عذبات الأسواط و الأفخاذ في القبر، فهذه نسب جثمانية لا نسب حقانية.
و لما بين الأمر على ما هو عليه شرع في بيان سبب عدم ظهور هذه المعاني لبعض الناس بقوله (إلا انه تعالى وصف نفسه بالغيرة) اه بالى.