شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٥٦
عليه) يعنى أن الطريق الذي يسلك عليه أسفل من سفل، فمن عرف علم الطريق و أنه ليس إلا الحق إذ لا شيء غيره عليه عرف أن أسفل سافلين لا يخلو عن الحق، فعلم أن الجهنميين في القرب و إن توهموا البعد (فإن فيه جل و علا يسلك و يسافر إذ لا معلوم إلا هو، و هو عين السالك و المسافر فلا عالم إلا هو، فمن أنت؟ فاعرف حقيقتك و طريقتك، فقد بان لك الأمر على لسان الترجمان إن فهمت) و الترجمان هو رسول الله صلى الله عليه و سلم، حيث قال «كنت سمعه الذي يسمع به» الحديث (و هو لسان حق) فإن من قال الحق بالحق كان لسان الحق (فلا يفهمه إلا من فهمه حق) لأن الحق إذا كان جميع قوى العبد و جوارحه كان فهمه حقا لأنه من جملة قواه (فإن للحق نسبا كثيرة و وجوها مختلفة) فإن له إلى كل شيء نسبة هي نسبة الوجود التي بها صار ظلا، و في كل عين وجها هو ظهوره بصورتها.
(ألا ترى عادا قوم هود كيف قالوا- هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا- فظنوا خيرا باللّه و هو عند ظن عبده به فاضرب لهم الحق) أي بقوله- بَلْ هُوَ ما اسْتَعْجَلْتُمْ به- (عن هذا القول) الذي قالوه و هو- هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا- (فأخبرهم بما هو أتم و أعلى في القرب، فإنه إذا أمطرهم فذلك حظ الأرض و سقى الحبة فما يصلون إلى نتيجة ذلك المطر إلا عن بعد) فإنه إذا أمطرهم أنبت به النبات من الأرض و سقى الحبة فنبتت و نمت و أدركت و أحصدت بعد المطر بزمان، و كذا نماء النبات و الشجر و رعاها الدواب و الأنعام فأكلوا منها و شربوا لبنها بعد مدة، و لا يصل نفع المطر و فائدته إليهم إلا عن بعد بخلاف الإراحة عن الهياكل البدنية (فقال لهم- بَلْ هُوَ ما اسْتَعْجَلْتُمْ به-) و فسره بقوله- رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ- فجعل الريح إشارة إلى ما فيها من الراحة لهم، فإن بهذه الريح يريح أرواحهم من الهياكل المظلمة و المسالك الوعرة و السدف المدلهمة) المسالك الوعرة الجثة التي يسلك الحق فيها على وعرة طوقها الغلبة الخشونة الحجابية، و السدف: أي الحجب جمع سدفة: و هي الحجاب، و المدلهمة: المسودة في غاية الظلمة (و في هذه الريح عذاب: أي أمر يستعذبونه إذا ذاقوه إلا أنه يوجعهم لفرقة المألوفات فباشرهم العذاب، فكان الأمر إليهم أقرب مما تخيلوه) من الإمطار و النفع، يعنى أنهم
__________________________________________________
(فمن أنت) استفهام إنكارى: أي أنت معدوم في نفسك (فاعرف) اليوم (حقيقتك و طريقتك) و لا تفوت وقتك حتى تدخل لعرفان حقيقتك و طريقتك في حكم قوله- وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ- فإنك إذا عرفت ما نقلناه عرفت حقيقتك و طريقتك (فقد بان لك الأمر) من الله على ما هو عليه، و هو كون الطريق السالك و العلم و المعلوم عين الحق أحدية الجمع (على لسان الترجمان) و هو نفسه لقوله «حتى أكون مترجما لا متحكما» أو الحق مترجما لنا عن نبيه هود مقالته، أو نبينا عليه الصلاة و السلام مترجما عن الحق قوله «كنت سمعه» اه (إلا من فهمه حق) حتى يفهم بفهم الحق مطلقات كلام الحق، فإن الشهود بأحدية الأشياء من مطلقات كلام رب العزة و من مفهوماته الثانية و لا يفهمه إلا العلماء باللّه.
قوله (فظنوا) هذا القهر (خيرا) أي لطفا فحسن ظنهم باللّه فعاملهم الله بإعطائه لهم جزاء حسن ظنهم باللّه من الجهة التي غير ما تخيلوها اه بالى.