شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٣٦
التذكير مع كونه أفصح العرب العرباء من سرة البطحاء إلا لكمال عنايته برعاية الحقوق بعد بلوغ النهاية بتحقيق الحقائق، و ذلك أن أصل كل شيء يسمى الأم لأن الأم يتفرع عنها الفروع ألا ترى قوله- وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً- و هي مؤنثة مع أن النفس الواحدة المخلوق منها أيضا مؤنثة، و كذلك أصل الأصول الذي ليس فوقه فوق يعبر عنه بالحقيقة، كما سأل كميل بن زياد إلى على رضى الله عنه ما الحقيقة؟
فقال: ما شأنك و الحقيقة ثم عرفها له في حديث طويل، و كذا العين و الذات «تباركت و تعاليت» و كل هذه الألفاظ تؤنث فمراده من التغليب الاعتناء بحال النساء لما فيها من معنى الأصالة للتفرع كما في الطبيعة بل في الحقيقة، فإن الحقيقة و إن كان أبا للكل لأنه الفاعل المطلق، فهي أم أيضا لأنها الجامعة بين الفعل و الانفعال فهي عين المنفعل في صورة المنفعل، كما أنها عين الفاعل في صورة الفاعل لأنها بحقيقتها تقتضي الجمع بين التعين و اللاتعين فهي المتعينة بكل تعين ذكرا و أنثى كما أنها هي المنزهة عن كل تعين، و من حيث أنها متعينة بالتعين الأول فهي العين الواحدة المقتضية للاستواء و الاعتدال بين الفعل و الانفعال و الظهور و البطون، و هي من حيث أنه الباطن في كل صورة فاعل، و من حيث أنه الظاهر ينفعل كما مر في الروح و مدبريته للجسم، و قد شهد التعين الأول بظهوره لذاته بلا تعينها و إطلاقها لأن التعين بذاته مسبوق باللاتعين، فإن الحقيقة من حيث هي هي متحققة في كل متعين فاقتضى التعين أن يكون مسبوقا باللاتعين بل كل متعين فهو باعتبار الحقيقة مع قطع النظر عن القيد مطلق فالمتعين مستند إلى المطلق متقوم به فهو منفعل من حيث ذلك الأصل المطلق و مظهر له و ذلك الأصل فاعل فيه مستتر فهو منفعل من حيث أنه متعين من نفسه من حيث أنه مطلق مع أن العين واحدة، و إن اعتبرنا التعين بمعنى سلب التعين و هي الماهية أو الحقيقة بشرط لا شيء في اصطلاح العقلاء فإن تعقلها من تلك الحيثية موقوف على التعين في التعين في العالم فهو في العلم منفعل التعين و التحقق عن المتعين بالتعين الأول، فإن اعتبرنا الحقيقة مطلقة عن التعين و اللاتعين فلها السبق عليهما، و هما أعنى التعين و اللاتعين بمعنى السلب مسبوقان منفعلان عنها، فإنهما نسبتان لها متساويتان، و الحقيقة تظهر بالتعين الأول عن بطونها الذاتي إلى شهادتها الكبرى الأولى، و كل ينزل من منازل التنزلات الخمسة ظهور بعد بطون و شهادة بعد غيب، كل مظهر و مجلى من حيث كونه معينا و مقيدا للمطلق فاعل فيه، فصح من هذا الوجه للمتعين و التعين الفعل و التأثير في الحقيقة من هذا الوجه للمتعين فالحقيقة أينما سلكت و في أي وجه ظهرت فلها الفعل و الانفعال و الأبوة و الأمومة، فلهذا صح التأنيث في الحقيقة و العين و الذات و البرزخ الجامع الذي هو آدم الحقيقي مذكور بين مؤنثين، فأظهر النبي صلى الله عليه و سلم هذه الأسرار من حيث أوتى جوامع الكلم في جميع أقواله و أفعاله، و راعى الفردية الأولى في الكل و ألفاظ الكتاب