شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٧٩
و ما حدثت به أنفسهم و إن لم يفعلوه» فإن كل إنسان قد يحدث نفسه بفعل شيء و يهم به، و يرده عنه من فعله صارف منه و هو يسمع حديث نفسه و يعلم اختلاف أحكامها عند التردد في الفعل، و هو المحدث و السامع و الآمن و الناهي و العالم بجميع ذلك، مع أن عينه واحدة لاختلاف قواه و مبادى أفعاله من العقل و الوهم و الغضب و الشهوة و غير ذلك، فهو بعينه صورة الحق في الوجوه و الأحكام الأسمائية. (فاختلطت الأمور و ظهرت الأعداد بالواحد في المراتب المعلومة، فأوجد الواحد العدد و فصل العدد الواحد، و ما ظهر حكم العدد إلا بالمعدود) سبب اختلاط الأمور و اشتباهها تكثر العين الواحدة بالتعينات و المراتب، إذ لا شيء في الوجود إلا تلك العين الواحدة المتكررة بالتعينات المختلفة، ألا ترى أن الواحد في أول مرتبة واحد، و في الثانية عشرة و في الثالثة مائة، و في الرابعة ألف، و كل واحدة من هذه المراتب كلية يحتوي على بسائط الآحاد و العقود، كالأنواع المحتوية على الأشخاص، و الأجناس المحتوية على الأنواع، فإن الواحد في المرتبة الأولى إذا تجلى في صورة أخرى يسمى اثنين، و ليس إلا واحدا و واحدا جمعا و الواحد ليس بعدد و الهيئة الاجتماعية واحدة، و المجموع المسمى اثنين عدد واحد، فالصورة واحدة و المادة واحدة و المجموع واحد تجلى في صورة كثرة، فأنشأ الواحد العدد بتجليه في صورتين، و كذا الثلاثة واحد و واحد و واحد و حكمها في الواحدية حكم الاثنين، و هكذا إلى التسعة التي هي بسائط الواحد و تعيناتها في المرتبة الأولى، فإذا تجلى في المرتبة الثانية يسمى عشرة و ليس إلا الواحد صورة و مادة و مجموعا، فالواحد هو المسمى بجميع مراتب العدد و أسمائه، و صور المراتب تجلياته فهو الإنسان من حيث أنه عدد واحد و ثانى اثنين و ثالث ثلاثة و رابع أربعة، و كذلك في التفسير لقوله تعالى- ما يَكُونُ من نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى من ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ- فالواحد منشئ العدد و العدد مفصل الواحد، و إذا فصلت العدد عند التحليل و التحقيق لم تجد إلا الواحد المتجلى في صورة تعيناته و مراتب تجلياته.
__________________________________________________
(و فصل العدد الواحد) و هو نظير لتفصيل العالم الحق و أحكامه و أسمائه، إذ الواحد أوجد بتكريره العدد و العدد يفصل الواحد في المراتب المعلومة مثل الاثنين و الثلاثة، فكانت مرات العدد كله مراتب الواحد يظهر فيها بتكرره، فهو عين واحدة تختلف عليها الأحكام بحسب المراتب، فإن صورة الثلاثة مثلا واحدة و مادته و هي تكرر الواحد واحدة، و الكثرة معدومة في الخارج فلا موجود في الخارج إلا عين واحدة (و ما ظهر حكم العدد إلا بالمعدود) لأنه عرض غير قائم بنفسه يقتضي محلا يقوم به و هو الجوهر المعدود اه بالى.
و اعلم أن الواحد هو الله المثل الأعلى مثال العين الواحدة التي هي حقيقة الحق تعالى، و العدد مثال الكثرة الأسمائية الحاصلة من تجلى تلك الحقيقة بصور شئونها و نسبها الذاتية، أو لكثرة الأعيان الثابتة في العلم، و المعدود مثال الحقائق الكونية و المظاهر الخلقية التي لا تظهر أحكام الأسماء و لا أحوال الأعيان الثابتة إلا بها اه جامى.