شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٣٢
ما في اسم الله من أحدية جمع الأسماء بالرحمن الدال على رحمة الامتنان لعموم الرحمة الرحمانية الكل من حيث أن الرحمن هو الحق باعتبار كونه عين الوجود العام للعالمين، فعم بهذه الرحمة الذاتية جميع الأسماء و الحقائق، فهي رحمة الامتنان التي لا يخلو عنها شيء كما قال- رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ- حتى وسعت أسماءه، فإنها عين ذاته كعلمه كما قال على لسان الملائكة- رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً- و لهذا قال الإمام المحقق جعفر بن محمد الصادق: الرحمن اسم خاص: أي باللّه تعالى بصفة عامة أي صفة له شاملة للكل لأنه لا يمكن غيره أن يسع الكل و بالرحيم الدال على رحمة الوجوب لخصوص الرحمة الرحيمية بما يقتضي الاستعداد بعد الوجود، فالأعيان مرحومة بالرحمة الرحمانية: أي التجلي الذاتي من الفيض الأقدس دون الرحيمية، فإنها بعد الاستعداد، و لهذا قال الإمام عليه السلام: الرحيم اسم عام، أي مشترك لفظا بين الحق و الخلق بصفة خاصة بمن يستعد، فإن الكمال الذي هو مقتضى الاستعداد بعد الوجود لا بد من وقوعه إما بواسطة الهادي و المرشد و العالم من الأسماء أو الملك أو الإنسان اللذان هما صورتان للأسماء أيضا (فامتن بالرحمن و أوجب بالرحيم، و هذا الوجوب من الامتنان فدخل الرحيم في الرحمن دخول تضمن، فإنه كتب على نفسه الرحمة سبحانه ليكون ذلك للعبيد بما ذكره الحق من الأعمال التي يأتى بها هذا العبد حقا على الله أوجبه له على نفسه يستحق بها هذه الرحمة أعنى رحمة الوجوب) فامتن على الكل بالرحمن أي بتعميم الرحمة في قوله- رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ- و أوجبها في قوله- فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ- و قوله «سبقت رحمتى غضبى» امتنان أيضا على الكل بإيجاب الرحمة لهم على نفسه، و هو معنى قوله: فدخل الرحيم في الرحمن دخول تضمن، يعنى دخول الخاص تحت العام، لأنه إنما أوجب الرحمة السابقة على الغضب في قوله- كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ- ليكون للعبد ما ذكره من الأعمال التي أوجدها الله على يده و أجراها عليه تلك الرحمة و ذلك الثواب الذي وعده على تلك الأعمال حقا له على الله أوجبه على نفسه له بسبب الكتابة عليها امتنانا يستحق ذلك العبد بها هذه الرحمة، فذلك وجوب في تضمن الامتنان إذ الكتابة على نفسه امتنان (و من كان من العبيد بهذه المثابة فإنه يعلم من هو العامل منه) و في نسخة العامل به أي و من كان من العبيد مستحقا لرحمة الوجوب بالتقوى و العمل الصالح يعلم أن الله هو العامل بهذا العبد أو من هذا العبد هذه الأعمال التي تستدعى هذه الرحمة على سبيل المجازاة بما يناسبها، فإن هذا العلم من أعلى مراتب التقوى (و العمل منقسم على ثمانية أعضاء
__________________________________________________
(أعنى رحمة الوجوب) يعنى أن العبد من حيث أنه عبد يجب عليه إتيان أوامر مولاه، فلا تجب الرحمة على المولى في مقابلة شيء، فإذا قدر المولى و أوجب على نفسه لعبده شيئا في مقابلة عمله يستحق العبد بذلك الشيء بسبب عمله، فوصول ذلك الشيء للعبد من المولى في مقابلة عمله امتنان و عطاء محض، و لذا قالوا الجنة فضل إلهى فلا يستحقها العبد إلا بفضل الله، فكان وجوب الرحمة من وجوب الامتنان اه بالى.