شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٢٩
أي لمن لا يرى ربه حتى يموت فيحب أن يموت شوقا إلى الحق. كما حكى الأصمعى أنه مر في بعض طرق البادية بحجر على جادة الحجاج مكتوب عليه هذا البيت:
ألا أيها الحجاج باللّه خبروا إذا حل عشق بالفتى كيف يصنع
فكتب تحته:
يداوي هواه ثم يكتم سره و يخضع في كل الأمور و يخشع
قال: فرجعت إليه في الثاني، فإذا مكتوب تحته:
و كيف يداوي و الهوى قاطع الحشا و في كل يوم روحه تتقطع
قال فكتبت تحته:
إذا لم يطق صبرا و كتمان سره فليس له شيء سوى الموت أنفع
قال فرجعت إليه فإذا أنا بشاب نحيف قد شحب لونه و دق شخصه و قد قضى نحبه و خر ميتا، و السر في زيادة شوق الحق أن الحق من حيث تعينه تعين العبد المشتاق، يشتاق إلى نفسه من حيث تعينه في الأصل، ثم إنه من حيث الأصل يشتاق إلى نفسه في مرتبة التقييد فيكون في اشتياق الحق لكون شوقه تعالى أضعاف أضعاف الشوق الظاهر من المسمى عبدا إذ هو المشتاق إلى نفسه من حيثيتين في مرتبتين ذاتيتين، و لا شك أن الشوق في مرتبة الأصل أقوى بما لا يبلغ كنهه لأن الشوق بقدر الحب، و الحب هناك في الغاية، و منه يتحقق معنى قوله «من تقرب إلىّ شبرا تقربت منه ذراعا، و من تقرب إلى ذراعا تقربت منه باعا، و من أتانى ماشيا أتيته هرولة» (فشوق الحق لهؤلاء المقربين مع كونه يراهم فيحب أن يروه) يعنى بارتفاع حجاب الإنية من العين الموجب في زعمه البين في البين (و يأبى المقام ذلك) أي الكون في هذه الحياة الدنيا، و الكون إلى مقام النفس (فأشبه قوله- حَتَّى نَعْلَمَ- مع كونه عالما) من حيث أنه يشتاق إلى حصول رؤيته نفسه في عين العبد مع رؤيته نفسه مطلقا كظهور علمه في مظاهر المؤمنين مع علمه القديم الذاتي (فهو يشتاق لهذه الصفة الخاصة) و هي ارتفاع حجاب إنية العبد فيشهده بعينه (التي لا وجود لها إلا عند الموت فيبل بها شوقهم إليه كما قال في حديث التردد، و هو من هذا الباب «ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددى في قبض نسمة عبدى المؤمن يكره الموت و أنا أكره مماته و لا بد له من لقائي») يعنى بارتفاع الحجاب، و لا يرتفع إلا بمفارقة البدن (فبشره) بما بعد الموت من اللقاء (و ما قال له و لا بد له من الموت لئلا يغمه بذكر الموت، و لما كان لا يلقى الله إلا بعد الموت كما قال عليه الصلاة و السلام «إن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت» لذلك قال الله تعالى و لا بد من لقائي فاشتاق الحق) لوجود هذا الموت، فاشتياق الحق (لوجود هذه النسبة) اللقاء الذي لا يكون إلا بعد الموت هو الذي يكون عند ارتفاع
__________________________________________________
قوله- حَتَّى نَعْلَمَ- مع كونه عالما بجميع الأشياء بعلمه الأزلى، و هو علم خاص حاصل له بصور المظاهر بالى.