شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٦٣
السمحة السهلة، و أما صاحب الفرقان فأمره صعب و دعوته أصعب و أشق، لأنه إن دعا إلى التنزيه و التوحيد و الجمع بدون التفصيل أجابوه بمفهوم قوله- ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- فلا فرق بين الهادي و المضل و لا بين العاصي و المطيع، بل لا عاصى في هذا الشهود كما أجاب قوم نوح دعوته، و إن دعا إلى التشبيه و التفصيل أجابوه بمثل قول قوم موسى- أَرِنَا الله جَهْرَةً- و قولهم- اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ- لأن الداعي في شق و المدعو في شق، فكل يرجع جانبه و يخالف عن سمته إلى ما يقابله، بخلاف من جمع بين الجمع و التفصيل و التشبيه و التنزيه (فلو أن نوحا عليه السلام يأتى بمثل هذه الآية لفظا لأجابوه، فإنه شبه و نزه في آية واحدة بل في نصف آية) أي كانت دعوة نوح عليه السلام إلى التنزيه المحض، لكون قومه محتجبين بعبادة الأصنام لتأدية دعوة الأنبياء السالفة إلى نفى الكثرة الأسمائية المؤدية إلى ذلك، فنفروا عن ذلك نفور الضد عن الضد، فلو جمع بين التنزيه و التشبيه كما ذكر في الآية لأجابوه لوجود المناسبة (و نوح دعا قومه ليلا من حيث عقولهم و روحانيتهم فإنها غيب، و نهارا دعاهم أيضا من حيث ظاهر صورهم و جئثهم، و ما جمع في الدعوة مثل- لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ- فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان فزادهم فرارا) ظاهر مما سلف لأنه تقرير له (ثم قال عن نفسه إنه دعاهم ليغفر لهم لا ليكشف لهم و فهموا ذلك منه صلى الله عليه و سلم، لذلك جعلوا أصابعهم في آذانهم و استغشوا ثيابهم، و هذه كلها صورة الستر التي دعاهم إليها، فأجابوا دعوته بالفعل لا بلبيك) لأن الكشف إنما يكون لمن غلبت روحانيته و نورانيته بغلبة نور الوحدة و القوة العقلية على ظلمة الكثرة و القوة الحسية و هم أهل الهيئات الظلمانية المحتاجون إلى سترها بالنور القدسي، فلذلك فهموا من الستر بمقتضى حالهم الستر الصوري، فأجابوا دعوته في صورة الرد و الإنكار بالستر لغلبة حكم الحجاب عليهم و كونهم أهل علتهم و كونهم أهل المعصية المقبلين على عمارة عالم الملك و الاحتجاب، كما قال تعالى «إنى جعلت معصية آدم سببا لعمارة العالم» فهم مدبرون بالطبع عما دعاهم إليه مقبلون إلى ضد جهته، فلا تكون إجابتهم إلا في صورة التضاد إجابة فعلية (ففي- لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ- إثبات المثل و نفيه، و بهذا قال عن نفسه صلى الله عليه و سلّم إنه أوتى جوامع الكلم، فما دعا محمد عليه الصلاة و السلام قومه ليلا و نهارا بل دعاهم ليلا في نهار و نهارا في ليل) أي في هذه الآية جمع بين التشبيه و التنزيه فهو كالنتيجة لما سبق التقرير له
__________________________________________________
(إثبات المثل و نفيه) عند أهل الله، لأن وجود المماثل عندهم اشتراك الغير في وصفه، فكان الكف حينئذ عندهم لإثبات المثل في صفة لا لغيره و ما هذا إلا و هو بعينه مذهب الشرع، لذلك أورد الدليل عليه بقوله (و بهذا قال عن نفسه أنه أوتى جوامع الكلم) يعنى ما أنزل الله تعالى عليه آية في حق نفسه بل نصف آية إلا و هي جامعة بين التنزيه و التشبيه، و من جملتها قوله- لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ- اه بالى.